تم نسخ الرابط بنجاح

فيصل بن عبدالعزيز آل سعود

saudipedia Logo
فيصل بن عبدالعزيز آل سعود
مقالة
مدة القراءة 26 دقيقة

الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، (1324-1395هـ، 1906-1975م)، هو ثالث ملوك المملكة العربية السعودية، والثالث ترتيبًا بين أبناء الملك عبدالعزيز، تولى الحكم عام 1384هـ/1964م، بعد أخيه الملك سعود بن عبدالعزيز، وظل ملكًا طيلة 11 عامًا قبل استشهاده عام 1375هـ/1975م. عُرف عن الملك فيصل مواقفه في الدفاع عن قضايا العرب، وتوحيد الكلمة، وحمل لواء التضامن الإسلامي، وتبعه في الحكم الملك خالد بن عبدالعزيز

الملك فيصل بن عبدالعزيز

هو فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي من بني حنيفة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

ولد الملك فيصل في مدينة الرياض صفر 1324هـ/أبريل 1906م، وهي الفترة التي انتصر فيها والده على خصمه ابن رشيد في معركة "روضة مهنّا"  سُمّي نسبة إلى جده الإمام فيصل بن تركي، ثاني أئمة الدولة السعودية الثانية. والدته طرفة بنت عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، توفيت بعد خمسة أشهر من ولادته، وتولت جدته لأمه هيا آل مقبل تربيته في بيت جده الشيخ عبدالله بن عبداللطيف.

الملك فيصل بن عبدالعزيز في شبابه. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز في شبابه. (دارة الملك عبدالعزيز)

نشأة الملك فيصل وتعليمه 

تعلّم الملك فيصل قراءة القرآن في عمر مبكر وأتمها في التاسعة من عمره، كما تعلّم الكتابة والقراءة في "الكتّاب"، وهو التعليم التقليدي الذي كان سائدًا في الجزيرة العربية في تلك الفترة، وتأسس في العلوم الدينية على يدي جده عبدالله، وأخذ من والده المؤسس علوم الفروسية والرماية والسياسة، إلى جانب الأخلاق الحميدة. عُرف الملك فيصل بالشجاعة والكياسة والفطنة منذ طفولته.

قضى مراحل عمره الأولى في بيت جده لأمه وظلّ مقيمًا فيه إلى أن سافر إلى أوروبا للمرة الأولى في1337هـ/1919م، وبعد عودته نشأ في كنف عائلة والده، واعتنت به ورعته الأميرة حصة السديري زوجة الملك عبدالعزيز والدة إخوته الملك فهد وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وبعودته إلى كنف أبيه اكتسب خبرة عمليّة في جو من السياسة والعمل الحربي، وتعلّم أساليب التعامل مع الرجال في السلم والحرب، كما تعلّم منه ضبط النفس والصبر والحذر.

السمات الشخصية للملك فيصل 

كان لنشأة الملك فيصل الاجتماعية المبكرة الأثر الكبير في فصاحته التي تميّز بها، إذ كان يتحدث بلغة عربية سليمة، ولديه القدرة على التعبير عما يريد أن يقوله، أو على الامتناع عن الكلام حول الأمور التي لا يود الخوض فيها. وبحسب ما تذكره المصادر فهو شخصية متحفظة متأملة صامتة، كثير الإنصات، قليل الكلام، يتأنى في اختيار عباراته ويميل إلى الاختصار، يسأل كثيرًا عن أصغر التفاصيل في أي موضوع يُطرح أمامه. وتفرّد الملك فيصل بأنه عضو العائلة الذي عليه التعامل مع الأجانب في العلاقات الدبلوماسية للمملكة، لما كان يملكه من خاصية فطريّة هي القدرة على التكيف السريع، إذ كان يتكيف سريعًا بغض النظر عن البيئة العامة، كما كان من عادته ألا يُظهر مشاعره على محياه، ويصعُب معرفة ما بداخل نفسه.

ومن سماته التواضع، إذ كان يرفض أن يُقبّل أبناؤه يده، ليس أبناؤه فحسب، بل يرفض أن يُقبلها أي أحد مهما كانت قرابته أو صفته، إلى جانب ما عُرف عنه من البساطة والوفاء والكرم والترفّع وعزّة النفس والتسامح، والصدق والتنظيم، والعناية بمشاعر الآخرين. ومما ميّزه من الصفات الصبر، والرويّة، وبُعد النظر. وكانت لديه معرفة كبيرة بطرائق التعامل مع مختلف الشخصيات. وبحسب ما ذكره المقربون منه فهو لا يتسرّع في اتخاذ القرارات في الأمور، وبعيد عن التبذير، كما يحرص على الإنصاف والتوازن حتى مع من يختلف معهم.

دور الملك فيصل بن عبدالعزيز في توحيد المملكة

المشاركة في العمل العسكري 

مارس الملك فيصل العمل العسكري والسياسي منذ حداثة سنه، عبر تاریخ امتد قرابة 58 عامًا بدءًا من أولى مشاركاته، وخلال ثلاثة عهود، هي: عهد والده الملك عبدالعزيز، وعهد أخيه الملك سعود، ثم عهده، اكتسب خلالها خبرة في الأمور، فمنذ صغره في عهد والده جاءت أولى مشاركاته العسكرية مرافقًا لوالده في غزوة "ياطب" جنوب شرق مدينة حائل عام 1336هـ/1918م، وكان عمره آنذاك 12 عامًا، ثم شارك مع أخيه الأمير سعود في معركة الشعيبة بحائل عام 1338هـ/1920م.

وفي عام 1340هـ/1922م قاد حملة عسكرية إلى عسير لمواجهة الفتنة بها وهي المرة الأولى التي يُعقد له لواء القيادة، وانتصر فيها وتمكّن من دخول أبها، المقر الإداري لمنطقة عسير، وضمّها إلى الحكم السعودي ثم عاد إلى الرياض. وفي 1344هـ/1925م شارك مع قوات والده في حصار مدينة جدة الذي انتهى بتسليم المدينة ومغادرة الشريف علي ودخول الملك عبدالعزيز إليها من العام نفسه. وفي عام 1352هـ/1934م تولى قيادة قطاع من القوات السعودية المتجهة من الحجاز إلى اليمن، وحقق في هذه الحملة نصرًا عسكريًّا وسياسيًّا، تمثل في توقيع معاهدة الطائف عام 1353هـ/1934م، التي سوّيت بموجبها جميع الخلافات الحدودية بين المملكة واليمن.

المشاركات والأعمال الدبلوماسية

على المستوى السياسي ترأس الملك فيصل عددًا من الوفود التي مثلت السعودية في مناسبات وزيارات رسمية، وكانت أول مهمة له في عمر الثالثة عشرة، ومن أبرز تلك المشاركات: 

1337هـ/1919م: زيارة رسمية إلى بريطانيا نيابة عن والده تلبية لدعوة من الملك "جورج الخامس" للمشاركة في احتفالات الانتصار في الحرب العالمية الأولى، ثم زار بعدها فرنسا تلبية لدعوة مماثلة ثم بلجيكا، ودامت رحلته نحو 6 أشهر، وكان بذلك أول فرد من آل سعود يزور أوروبا الغربية، وبدأ من خلال هذه الرحلة مسيرته الممتدة في الشؤون الخارجية بقية حياته.

1342هـ/1924م: أصدر أول بيان سياسي رسمي عن المملكة من الرياض تحت عنوان "للحقيقة والتاريخ"، ردًا على مقال نشره "الشريف حسين" وأنصاره ضد والده، ثم أعقبه ببيان ثانٍ بعد شهرين، فكان بذلك أول ناطق رسمي باسم المملكة. وفي العام نفسه وقّع نيابة عن والده على البيان الختامي لمؤتمر الرياض المنعقد للنظر في استمرار منع "الشريف حسين" أهالي نجد من أداء فريضة الحج للعام الخامس على التوالي، وتقرر فيه إعلان الحرب على الشريف حسين.

1345هـ/1926م: ترأس بعثة دبلوماسية إلى أوروبا لتعزيز العلاقات السياسية مع تلك الدول، وهي بريطانيا وفرنسا وهولندا، ودامت رحلته نحو شهرين. وبعد عودته بنحو خمسة أشهر ناب عن والده في المفاوضات مع "السير جلبرت كلايتون"، التي انتهت بالتوقيع على "معاهدة جدة"، بموجبها اعترفت بريطانيا بالاستقلال التام لحكم الملك عبدالعزيز.

 1350هـ/1932م: قام الملك فيصل بالرحلة الثالثة إلى أوروبا، وتعد أول زيارة له بوصفه وزيرًا للخارجية السعودية، زار خلالها دول إيطاليا، وسويسرا، وفرنسا، وبريطانيا، وهولندا، وألمانيا، وبولونيا، والاتحاد السوفيتي، وأثناء عودته زار تركيا، وإيران، والعراق، ودامت رحلته ثلاثة أشهر.

 1351هـ/1932م: وقّع نيابة عن والده مرسوم إعلان توحيد الحجاز ونجد في دولة واحدة باسم "المملكة العربية السعودية".

1352هـ/1933م: ترأس مجلس الوكلاء والشورى لأخذ البيعة بولاية العهد لأخيه الملك سعود بعد صدور أمر ملكي بذلك، كما أخذ البيعة بولاية العهد لأخيه سعود من عامة الشعب في دار الحكومة في الحجاز، ثم سافر إلى الرياض مترئسًا وفدًا للمشاركة في حفل إعلان البيعة.

1357هـ/1939م: ترأس وفد المملكة إلى مؤتمر مندوبي الحكومات العربية المستقلة الذي انعقد في القاهرة بشأن القضية الفلسطينية استعدادًا لمؤتمر لندن، والتقى خلالها الملك فاروق، ثم ترأس وفد المملكة إلى مؤتمر لندن "مؤتمر المائدة المستديرة" المنعقد لبحث قضية فلسطين.

1362هـ/1943م: وقّع الملك فيصل - حينما كان وزيرًا للخارجية - مع دولة الكويت اتفاقيات صداقة وحُسن جوار واتفاقيات أمنية واقتصادية، كما ناب عن والده في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية تلبية لدعوة رئيسها "فرانكلين روزفلت"، ورافقه أخوه الأمير خالد، وتعد رحلتهما الأولى إليها، وأثناء عودته زار بريطانيا تلبية لدعوة الملك "جورج السادس"، والتقى به وبرئيس الوزراء "ونستون تشرشل". ثم زار الجزائر والتقى الرئيس "شارل ديجول" زعيم فرنسا الحرة آنذاك في مقرّه بالجزائر، بعد دعوة رسمية لزيارته باسم فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، زار بعدها دولة تونس ثم القاهرة التي أمضى فيها 10 أيام، ثم عاد إلى الرياض، ودامت هذه الرحلة نحو ثلاثة أشهر.

1364هـ/1945م: حضر اجتماع رضوى بين والده والملك فاروق الذي كان في زيارة للمملكة، كما ترأس في العام نفسه وفد المملكة في مؤتمر سان فرانسيسكو، ووقع باسم المملكة ميثاق الأمم المتحدة الذي انضمت بموجبه المملكة إلى المنظمة الدولية، ثم أوفده والده إلى دولة سوريا برفقة أخيه الأمير منصور وزير الدفاع آنذاك للمشاركة في احتفالات الذكرى الأولى لخروج الفرنسيين، والتقى خلالها بالرئيس "شكري القوتلي"، زار بعدها بيروت والتقى الرئيس "بشارة الخوري"، بعد نحو 5 أشهر ترأس وفد المملكة إلى مؤتمر الإسكندرية بدعوة من الجامعة العربية لمعالجة قضية فلسطين تحضيرًا للمفاوضات البريطانية بشأن القضية، ثم ترأس وفد المملكة إلى مؤتمر لندن المنعقد بشأن فلسطين بناء على دعوة من الحكومة البريطانية. 

1366هـ/1946م: زار الولايات المتحدة الأمريكية بعد حضور الدورة الأولى للأمم المتحدة في لندن، وقابل الرئيس الأمريكي ترومان لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين والقضية الفلسطينية، وزار الأردن تلبية لدعوة رسمية من الملك عبدالله لبحث قضية فلسطين، وترأس وفد المملكة إلى اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في دورتها العادية الثانية، وكانت مخصصة لبحث قضية فلسطين ومشروع التقسيم الذي عارضه بشدة باسم الوفود العربية وحذر من أنه سيكون بداية اضطرابات في الشرق الأوسط، واستغرقت الرحلة نحو أربعة أشهر.

1367هـ/1947م: ترأس وفد المملكة إلى اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك بعد إقرار التقسيم فأعلن رفضه للقرار وعدم التزام بلاده به، كما ترأس وفد المملكة إلى مؤتمر رؤساء وممثلي الحكومات بالجامعة العربية في القاهرة لبحث الموقف العربي بعد قرار التقسيم.

1367هـ/1948م: التقى الملك عبدالله ملك الأردن أثناء زيارة رسمية للمملكة بدعوة من الملك عبدالعزيز، وترأس وفد المملكة إلى اجتماعات الأمم المتحدة المنعقدة في باريس وترأس حينها المجموعة العربية.

1370هـ/1951م: وقّع باسم المملكة على معاهدة الدفاع المشترك المنعقدة بين دول الجامعة العربية.

1372هـ/ 1953م: التقى الرئيس اللبناني "كميل شمعون" أثناء زيارة رسمية للمملكة في 23 جمادى الأولى/7 فبراير تلبية لدعوة الملك عبدالعزيز، ثم زار الولايات المتحدة الأمريكية والتقى بالرئيس أيزنهاور في  17 جمادى الآخرة/ 2 مارس في البيت الأبيض، وأجرى الطرفان محادثات خاصة بشأن الوضع في الشرق الأوسط بحضور وزير الخارجية الأمريكية دالاس. وكان في استقبال الرئيس المصري محمد نجيب بمطار الطائف في 25 ذي الحجة/ 3 سبتمبر في زيارته إلى المملكة بمناسبة موسم الحج.

الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس الإيطالي في عام 1395هـ، ويظهر في الصورة الملك سلمان بن عبدالعزيز.  (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس الإيطالي في عام 1395هـ، ويظهر في الصورة الملك سلمان بن عبدالعزيز. (دارة الملك عبدالعزيز)

المناصب الرسمية قبل الحكم

وزارة الخارجية 

يُعد الملك فيصل بن عبدالعزيز أول من تولى منصب وزير الخارجية، وكان الأطول عهدًا فيها، إذ امتدت فترته نحو 45 عامًا (1349- 1395هـ/1930 - 1975م)، فمنذ أن أصدر الملك عبدالعزيز مرسومًا ملكيًا بتحويل "مديريّة الشؤون الخارجية" إلى وزارة الخارجية، تعين الملك فيصل وزيرًا لها، وكان حينها في عمر 25 عامًا، وبقي وزيرًا للخارجية حتى وفاته، ومنذ تعيينه وزيرًا للخارجية وخلال فترة حكم والده قام بعدة مهمات ورحلات خارجية لتوطيد العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وبقية الدول، بدءًا بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والدول العربية والإسلامية في فترة تُقدّر بـ 23 عامًا، وأصبحت المملكة تتمتع بمكانة عالية في الأوساط الدولية والمحافل العربية والعالمية، كما كانت عضوًا مؤسسًا لهيئة الأمم المتحدة عام 1364هـ/ 1945م، وعضوًا فاعلاً فيها، وفي جامعة الدول العربية عام 1364هـ/1945م، وكان مدافعًا عن قضايا الدول العربية والإسلامية ومصالحها، مما أكسبه الاحترام والتقدير في المحافل الدولية، وكان يُختار من قِبل الوفود العربية ليكون المتحدث الرسمي باسمها، ففي عام 1367هـ/1947م أجمعت الوفود العربية في مؤتمر هيئة الأمم المتحدة على اختيار الملك فيصل ليكون الناطق الرسمي باسمها، وأتيح له التعرف على الشخصيات العاملة في الشؤون الدبلوماسية الإقليمية والعالمية، كما حصل على أوسمة رفيعة من ملوك الدول المختلفة ورؤسائها.

النائب العام لجلالة الملك 

في 28 جمادى الآخرة 1344هـ/13 يناير 1926م  عُيّن نائبًا عن الملك في الحجاز، ومرجعًا لدوائرها الرسمية باسم "النائب العام لجلالة الملك"، فكان بذلك أول نائب للملك في الحجاز في الدولة السعودية الحديثة، وكان الملك فيصل مسؤولاً عن الحج، وتوفير التموين والرعاية الصحية للحجاج، واستقبال وفود الحج الرسميّة وممثلي الحكومات، وفي 21 صفر 1345هـ/29 أغسطس 1926م تولى رئاسة مجلس الشورى، إضافة إلى منصبه نائبًا عامًا للملك.

رئاسة مجلس الوكلاء  

تولّى الملك فيصل منصب رئاسة مجلس الوكلاء في 7 رمضان 1350هـ/14 يناير 1932م بعد صدور نظام مجلس الوكلاء، وعُيّن الملك فيصل رئيسًا للمجلس، ليكون مرجع الجهات الآتية: الديوان الملكي، والخارجية والمالية والعسكرية، والشورى، والداخلية، ورئاسة القضاء وأمراء الملحقات.

الملك فيصل والرئيس عبدالناصر يحييان الجمهور المصري في القاهرة. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل والرئيس عبدالناصر يحييان الجمهور المصري في القاهرة. (دارة الملك عبدالعزيز)

ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء 

بعد وفاة الملك عبدالعزيز في 2 ربيع الأول 1373هـ/8 نوفمبر 1953م بُويع ابنه الأمير سعود بن عبدالعزيز ملكًا للمملكة العربية السعودية، وبُويع الأمير فيصل وليًّا للعهد وتولى رئاسة مجلس الوزراء، فشرع في استحداث وظائف تشمل أعمال الدولة بأسرها بوصفه رئيسًا لمجلس الوزراء ورئيسا لمجلس الشورى، واحتفظ الأمير فيصل بمنصبه وزيرًا للخارجية.

وخلال هذه الفترة رسم الملك فيصل نهج السياسة السعودية الخارجية المرتكز على مبدأ الوحدة والتقارب العربي، وتبنّي موقف ضد الوجود الاستعماري في المنطقة، والوقوف إلى جانب حركات التحرّر العربي من الاستعمار، وترأس وفد المملكة في الاجتماع الطارئ لرؤساء الحكومات العربية في القاهرة بدعوة من جمال عبدالناصر في مقر الجامعة العربية في 28 جمادى الأولى 1374هـ/22 يناير 1955م لبحث موضوع "حلف بغداد" ومقاومته، وترأس وفد المملكة في مؤتمر باندونج أو "المؤتمر الأفرو آسيوي" في إندونيسيا 25 شعبان 1374هـ/18 أبريل 1955م لعرض قضية فلسطين، والذي يُلزم المشاركين فيه بعدم الانحياز.

وقّع الملك فيصل نيابة عن الملك سعود في 11 ربيع الأول 1375هـ/27 أكتوبر 1955م اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، التي انضمت إليها اليمن لاحقًا في 10 رمضان 1375هـ/21 أبريل 1956م، وكان من نتائجها إنشاء القيادة العربية المشتركة التي استمرت حتى قيام الوحدة بين مصر وسوريا، وحضر في 9 رمضان/20 أبريل اجتماع جدة المنعقد بين كلٍ من الملك سعود وجمال عبدالناصر والإمام أحمد، ووقّعت الأطراف على "ميثاق أمن جدة"، وهي اتفاقية الدفاع المشترك، وإثر العدوان الثلاثي (الإنجليزي- الفرنسي- الإسرائيلي) على مصر أعلن الملك فيصل، بوصفه رئيسًا لمجلس الوزراء ووزيرًا للخارجية، في 24 ربيع الأول 1376هـ/29 أكتوبر 1956م في بيان رسمي التأييد الكامل لمصر ضد الدول المعتدية، وإعلان التعبئة العامة تنفيذًا لاتفاقية الدفاع المشترك، وفتحت المملكة باب التطوّع لأبنائها للدفاع عن مصر، كما أوقفت تصدير شحنات النفط السعودية إلى بريطانيا وفرنسا، إضافةً إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية معهما.

رسم سياسة المملكة الداخلية والخارجية

في 4 رمضان 1377هـ/24 مارس 1958م سَلّم الملك سعود جميع صلاحياته إلى الملك فيصل بموجب مرسوم ملكي، فباشر فيصل مهماته الجديدة. وفي شوال 1378هـ/أبريل 1959م تولّى الأمير فيصل وزارة الداخلية، إضافة إلى أعماله الأخرى، ثم تولّى إدارة شؤون الدولة في غياب أخيه الملك سعود أثناء سفره للعلاج خارج المملكة في جمادى الآخرة 1381هـ/نوفمبر 1961م، وبعد عودة الملك سعود من رحلة العلاج عيّن الأمير فيصل نائبًا لرئيس مجلس الوزراء مع بقائه وزيرًا للخارجية، كما افتتح مؤتمر وفود العالم الإسلامي في مكة المكرمة، المنعقد إثر موسم الحج ودعوته إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة للتباحث حول القضايا الإسلامية، وانتهى المؤتمر بإقرار إنشاء رابطة العالم الإسلامي ويكون مقرها الرئيس مكة المكرمة.

وفي 16 جمادى الآخرة 1382هـ/15 سبتمبر 1962م سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور الاجتماعات الدورية لهيئة الأمم المتحدة، وحضر حينها اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد هناك، كما قابل الرئيس الأمريكي جون كينيدي في البيت الأبيض، والذي أعجب بشخصيته وقدراته السياسية،وبعد عودة الملك فيصل إلى الرياض تسلّم رئاسة مجلس الوزراء، وشكّل حكومةً جديدة في 3 جمادى الآخرة 1382هـ/31 أكتوبر 1962م، وهي الحكومة التي استمرّت بقية أيام حياته، وأقرّها الملك خالد من بعده.

عمل الملك فيصل على الإصلاح الداخلي وبناء وتطوير القوات المسلحة السعودية، وأعلن في أول اجتماع عقدته حكومته الجديدة بيانًا تاريخيًّا في 9 جمادى الآخرة 1382هـ/6 نوفمبر 1962م، يتكون من 10 نقاط تشكّل في مجموعها برنامجًا واسعًا للإصلاح، وأعلن فيه قرب إصدار نظام أساسي للحكم، ونظام للمقاطعات ونظام للقضاء، وتأسيس مجلس للإفتاء، وإصلاح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنهوض بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي.

وفي محرم 1383هـ/يونيو 1963م أصدر الملك فيصل مرسومًا ملكيًّا بإنشاء جمعية الهلال الأحمر السعودي لتتولى مهمة الإسعاف وتؤدي المهمات الإنسانية المنوطة بها، وفي ربيع الآخر 1383هـ/سبتمبر 1963م ترأس وفد المملكة إلى الأمم المتحدة في دورتها العادية، كما أصدر مرسومًا ملكيًّا في جمادى الأولى 1383هـ/ أكتوبر1963م بشأن تنظيم الإدارة المحلية في المقاطعات، وهو "نظام المقاطعات" الذي يختص بتحديد مهام حكّام المقاطعات وحدود صلاحياتهم، وطريقة اختيار المجالس المحليّة، كما أقرّ مجلس الوزراء برئاسة الملك فيصل عددًا من الأنظمة التنظيمية، وهي تطبيق النظام العشري في المكاييل والمقاييس، ونظام المطبوعات الذي يختص بتنظيم الصحافة وإنهاء امتيازات الصحف والمجلات الفردية وتحويلها إلى مؤسسات صحفية، وأقرّ المجلس إنشاء اللجنة العليا للإصلاح الإداري برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزراء الدفاع والبترول والمواصلات والإعلام. 

طلب الملك فيصل من القادة العرب ضرورة تجاوز الخلافات في مؤتمر القمة العربي الأول بالقاهرة في 27 شعبان 1383هـ/13 يناير 1964م، لمعالجة أزمة مياه نهر الأردن وروافده، بعد شروع إسرائيل في تنفيذ مُخطط لتحويل مجرى نهر الأردن، واجتمع الملك فيصل مع وفد المساعي الحميدة "لجنة الوساطة العربية" في 11 شوال 1383هـ/ 24 فبراير 1964م  من أجل تسوية الخلاف بين المملكة ومصر، تنفيذًا لقرارات مؤتمر القمة العربي الأول، واختتم الاجتماع بالإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وفي 17 ذي القعدة 1383هـ/31 مارس 1964م كُلّف الملك فيصل بصفته نائب الملك ورئيس مجلس الوزراء بتصريف جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، بما في ذلك القيادة العليا للقوات المسلحة، في حالتي حضور الملك وغيابه.

وعُقد مؤتمر القمة العربية الثاني في مدينة الإسكندرية 1384هـ/1964م من أجل بحث الخطوات التنفيذية لمواجهة إسرائيل، وترأس الملك فيصل هذا المؤتمر، وأعلن فيه تبرع المملكة بمبلغ مليون جنيه مصري لإقامة جيش التحرير الفلسطيني، وأعقب المؤتمر إعلان ما عُرف بـاتفاق الإسكندرية في 8 جمادى الأولى 1384هـ/14 سبتمبر 1964م، الذي أكدّت فيه المملكة ومصر حل الخلافات القائمة حول اليمن ومنع الاشتباكات المسلحة، وعاد الملك فيصل إلى القاهرة في 29 جمادى الأولى 1384هـ/5 أكتوبر 1964م للمشاركة في مؤتمر دول عدم الانحياز، وخلال المؤتمر اجتمع مع الرئيس جمال عبدالناصر، واتفقا على التعاون لحل الخلافات القائمة حول اليمن والتوسط لدى الأطراف المعنيّة، كما اتفق على عقد مؤتمر للمصالحة في مدينة أركويت في السودان، وافتتح المؤتمر في 23 جمادى الآخرة 1384هـ/29 أكتوبر 1964م بحضور اليمنيين في وفدين، وفد الملكيين ووفد الجمهوريين، وانتهى المؤتمر بالاتفاق على وقف إطلاق النار.

الملك فيصل وإخوته يؤدون العرضة النجدية. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل وإخوته يؤدون العرضة النجدية. (دارة الملك عبدالعزيز)

تولي مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية

مبايعة الملك فيصل على الحكم 

بُويع الملك فيصل ملكًا في 27 جمادى الآخرة 1384هـ/1 نوفمبر 1964م، إثر تنازل الملك سعود عن الحكم، وأعلن في بيان للشعب أسس سياسته الداخلية والخارجية، وعزمه على استمرار الإصلاحات في جميع مجالات الدولة، وإثر مبايعته أصدر أمرًا ملكيًّا بتعديل المادتين السابعة والثامنة من نظام مجلس الوزراء، وبموجب هذا التعديل أصبح الملك رئيسًا للمجلس يرأس اجتماعاته، وينوب عنه نائب رئيس مجلس الوزراء، كما يتم تعيين أعضائه وإعفاؤهم وقبول استقالتهم بأمر ملكي، ويكون الجميع مسؤولين عن أعمالهم أمام الملك، كما حضر الاحتفالات الشعبية التي أقيمت في بعض مدن المملكة بمناسبة مبايعته ملكًا، واستقبل الوفود الرسمية المهنئة له.

أول القرارات بعد توليه الملك

بدأ الملك فيصل بإصدار أول القرارات التي تخص تنظيم حكومته، واختار  في 27 ذي القعدة 1384هـ/30 مارس 1965م أخاه الأمير خالدًا وليًّا للعهد، كما افتتح كلية البترول والمعادن في مدينة الظهران في 8 شوال 1384هـ/9 فبراير 1965م، والتي أصبحت فيما بعد جامعة البترول والمعادن، لتوفير الخبرات التكنولوجية في مجال البترول والمعادن، وتعد الأولى من نوعها في تلك الفترة في العالم العربي، ومنذ افتتاحها أدخلت صناعات بتروكيميائية لم تكن موجودة من قبل، وافتتح طريق الطائف الجديد في 2 صفر 1385هـ/1 يونيو 1965م، وهو طريق يربط مدينة الطائف بمكة المكرمة عبر جبال وعرة تُسمى "جبال الهدا".

وأصدر في 12 ربيع الأول 1385هـ/11 يوليو 1965م من العام نفسه مرسومًا ملكيًّّا بالموافقة على النظام السياسي للمعهد العالي للقضاء، وبعد يومين أصدر مرسومًا ملكيًّا بتأليف لجنة وزارية عليا تتكون من وزراء الداخلية والمالية والعمل والشؤون الاجتماعية لإجراء الدراسات والبحوث لحالة البادية وتقديم المقترحات لتطويرها ورفع مستوى المعيشة فيها، وأصدر في 1385هـ/1965م مرسومًا يقضي بأن يكون اليوم الوطني للبلاد هو اليوم الذي أعلن فيه توحيد المملكة العربية السعودية، وهو الأول من الميزان من السنة الهجرية الشمسية الموافق 23 سبتمبر من السنة الميلادية.

الإصلاح الداخلي لأنظمة الدولة 

كانت سنوات حكم الملك فيصل حافلة بالإنجازات للارتقاء بحياة المواطن السعودي، فمنذ بداية عهده أعاد النظر في تنظيم أسلوب التخطيط والإصلاح الإداري، فاستبدل بالمجلس الأعلى للتخطيط الذي أنشئ عام 1380هـ/ 1960م هيئة جديدة اسمها "الهيئة المركزية للتخطيط"، وتحوّلت هذه الهيئة إلى وزارة فيما بعد، ووضعت خطتها الخمسية الأولى للتنمية وربطها بخطة التنمية العامة، ومنذ عام 1390هـ/1970م أصبحت الدولة تسير في استراتيجيتها وأهدافها وبرامجها وميزانيتها وفق خطة تنموية تُقرّ كل خمس سنوات، وكانت أولى خطوات الإصلاح وضع عدّة نظم للإصلاح المالي بهدف التغلّب على الأزمة الاقتصادية للدولة، وكان التعليم والصحة من الأولويات لدى الملك فيصل، ورأى ضرورة أن يتقدم العمل فيهما.

جهود الملك فيصل في تطوير قطاعات الدولة

جهوده في التعليم والصحة 

طوّر الملك فيصل قطاع التعليم فَشَكّل أول هيئة عليا للتعليم، هي "اللجنة العليا لسياسة التعليم"، وكان من اختصاصها رسم السياسة التعليمية للمملكة، كما بلغت مُخصصات التعليم في 1384هـ/1964م ما نسبته 13% من ميزانية الدولة، وزاد عدد مدارس البنين في كل المراحل التعليمية، والحال نفسها في مدارس البنات التي توسعت في عددها وعدد الملتحقات بها، وكانت بداية تعليم البنات في عهد أخيه الملك سعود. ودعم الملك فيصل قرار تعليم البنات وتنفيذه، كما اعتنى بالتعليم الفني والصناعي وإرسال البعثات إلى الخارج، وركّز على محو الأمية بين جميع المواطنين بمختلف فئاتهم، وفي 1392هـ/1972م أصدر مرسومًا بذلك، ووُضعت خطة شاملة للقضاء على الأمية في مدة أقصاها عشرون عامًا، كما أسس مدارس متنقلة لسكان البادية.

حرِص الملك فيصل على زيادة ميزانية الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفي عام 1391هـ/1971م حُولت جامعة الملك عبدالعزيز في جدة إلى جامعة حكومية بعد أن كانت أهليّة، وفي عام 1394هـ/1974م صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على إنشاء جامعة الملك فيصل في الأحساء، كما قدّم الملك فيصل المنح الدراسية العليا للطلاب في الخارج وزاد الابتعاث.

وزادت ميزانية القطاع الصحي في عهد الملك فيصل، وركزت الحكومة على الصحة الوقائية وأنشئت المكاتب والمحاجر الصحية، وتوسعت في إنشاء المستشفيات، ومن أهمها مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض، إضافة إلى إنشاء المستوصفات والوحدات المتنقلة في جميع المناطق، وتوفير الأخصائيين الوطنيين والمدارس الصحية، وإتاحة الحكومة مجانية العلاج للمواطن والمقيم.

تنمية اقتصاد الدولة 

اهتم الملك فيصل بتقوية الاقتصاد الوطني، والتخلص التدريجي من احتكار شركة الزيت العربية الأمريكية "أرامكو" شؤون النفط، فدفع المؤسسة العامة للبترول والمعادن التي عُرفت باسم "بترومين" إلى تحقيق مشروعات الدولة في مجال الموارد المعدنية والنفطية، وخلال الأعوام 1384 - 1388هـ/1964 - 1968م اقتنت بترومين من أرامكو شبكة تسويق المنتجات النفطية، وفي عام 1385هـ/1965م تأسست شركة الأسمدة العربية "سافكو"، ومُنحت حق البحث عن النفط في المنطقة الوسطى من المملكة، وتبع ذلك إنشاء عدد من المؤسسات، بلغ عددها 66 مؤسسة صناعية عام 1387هـ/1967م.

نجح الملك فيصل في عام 1392هـ/1972م في الحصول على اعتراف شركة أرامكو بمبدأ المشاركة بنسبة 25% في الشركة لصالح الحكومة السعودية، وعُقِدَتْ اتفاقية بهذا الشأن في 25 ذي القعدة 1392هـ/20 ديسمبر 1972م، وبموجب هذه الاتفاقية امتلك الجانب السعودي بحلول نهاية ربيع الأول 1402هـ/يناير 1982م نسبة 51% من الأسهم، وفي عام 1394هـ/1974م تبوأت المملكة المركز الأول عالميًا في تصدير النفط والمركز الثالث في إنتاجه، ووجّه الملك فيصل بالبحث عن موارد أخرى، مثل التنقيب عن المعادن، ونجح التنقيب في الكشف عن مكامن أنواع مختلفة منها، كما شجع الملك فيصل الزراعة ودعم البنك الزراعي وأقيمت في عهده مشروعات مختلفة، مثل إقامة السدود ومشروعات الري والصرف، وأنشئ صندوق التنمية العقاري، وصندوق التنمية الصناعية السعودية، وصندوق الاستثمارات.

التنمية الاجتماعية والخدمات 

كان عهد الملك فيصل حافلًا على المستوى الاجتماعي، إذ أقر نظام الضمان الاجتماعي الذي تكفل بتقديم رواتب شهرية إلى فئات المجتمع الضعيفة، مثل الشيخ والأرملة واليتيم والعاجز عن العمل، ونما العمران في جميع أرجاء البلاد، وتوفرت جميع الخدمات الضرورية والمرافق اللازمة للحياة، من كهرباء ومياه شرب وصرف صحي واتصالات وشبكة طرق، ومن ذلك تنفيذ طريق الهدا (مكة - الطائف) في عام 1385هـ/1965م، الذي يُعد من المشروعات الضخمة التي أنجزت، إضافة إلى طريق الدمام - الرياض - جدة. الذي افتتحت مرحلته النهائية في 20 ذي القعدة 1386هـ/1 مارس 1967م. ويعد هذا الطريق من أكبر مشاريع الطرق البرية في تلك الفترة، إذ يمتد من مدينة الدمام على ساحل الخليج العربي شرقًا حتى مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر غربًا، مرورًا بالعاصمة الرياض في المنطقة الوسطى، عبر مسافة تقدر بنحو 1537 كلم، رابطًا العديد من القرى والمدن الواقعة على جانبيه، بعضها ببعض.

ووضع الملك فيصل حجر الأساس لمصنع الحديد والصلب في 17 ذي الحجة 1385هـ/8 أبريل 1966م، ويعد هذا المشروع مدخلًا للمملكة إلى عصر التصنيع الحديث، إلى جانب إصدار مرسوم ملكي في 6 رجب 1388هـ/ 28 سبتمبر 1968م يقرّ نظام توزيع الأراضي المستصلحة على المواطنين والمؤسسات الأهلية بهدف استغلالها. وأصدر في 1389هـ/1969م مرسومًا ملكيًّا بنظام التأمينات الاجتماعية وسبل تطبيقه عمليًّا.

تطوير القوات المسلحة 

تطوّرت في عهد الملك فيصل القوات المسلحة السعودية بفروعها المختلفة من بريّة وجويّة وبحريّة، وأنشئت المدن العسكرية المتخصصة في كُل من خميس مشيط وتبوك والخرج، وافتتحت المدارس الخاصة بها، وأرسلت البعثات إلى دول العالم المختلفة، شرقًا وغربًا، كما تم تطوير قوات الحرس الوطني. واهتم الملك فيصل بظاهرة محو الأمية في الجيش، من خلال المدارس المتوسطة والثانوية التي يدخلها جميع الخاضعين لخدمة العلم إلزاميًّا، كل حسب درجة ثقافته، مما يؤدي إلى أن تكون الخدمة العسكرية في البلاد امتدادًا للحياة المدنية.

تطوير الإعلام السعودي

بدأ الإعلام السعودي تطوّره في عهد الملك فيصل، إذ بدأ الإرسال التلفزيوني بعد عام واحد من مبايعته ملكًا، ثم تحوّل الإرسال التلفزيوني لاحقًا إلى النظام الملون، وافتتحت بعد ذلك إذاعة الرياض عام 1384هـ/1964م، وبدأ تطوير بثها ليصل إلى جميع أرجاء العالم وبلغات متعددة، منها العربية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والسواحلية والأوردية والملاوية، وتأسست في عهده سبع مؤسسات صحفية بناءً على نظام المؤسسات الصحفية الذي صدر في عام 1383هـ/1963م، فارتفع عدد الصحف إلى 15 صحيفة يومية وأسبوعية وشهرية. وتأسست في عهده وكالة الأنباء السعودية، ليبدأ عصر التوسع الأفقي السريع لوسائل الإعلام، رافقه تحسّن نوعي في المحتوى والعرض، ودعم هذا التحسن بقاعدة من الأنظمة وتعزيز وسائل الإعلام بكفاءات عالية. كما افتتح في 1 محرم 1387هـ/10 أبريل 1967م المبنى الجديد لوزارة الإعلام في مدينة جدة.

الملك فيصل بن عبدالعزيز أثناء توقيع ميثاق الأمم المتحدة في أمريكا عام 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز أثناء توقيع ميثاق الأمم المتحدة في أمريكا عام 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)

المنهج السياسي للملك فيصل بن عبدالعزيز

السياسة الخليجية والعربية 

حرِص الملك فيصل في سياسته الخليجية والعربية على تصفية أي خلاف مع دول الجوار من دول الخليج العربية، وإثر ذلك عُقدت اتفاقيات ترسيم الحدود بين المملكة وكل من دولتي الكويت وقطر في ذي الحجة 1385هـ/مارس 1966م. ومع إعلان بريطانيا في شوال 1387هـ/يناير 1968م عن رغبتها في الانسحاب من الخليج العربي عام 1391هـ/1971م حاولت إيران توسيع نفوذها في الخليج من خلال موقف مناهض لاستقلال البحرين، ولتأسيس الإمارات العربية المتحدة وتبعية الجزر الثلاث "أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى" لها، وقدّم الملك فيصل في تلك الفترة دعمًا صريحًا لاستقلال البحرين، ظهر ذلك في استقبال الرياض لأمير البحرين في 15 شوال 1387هـ/15 يناير 1968م بوصفه رئيس دولة، وتأكيد الملك فيصل للشيخ عيسى أن المملكة تقف مع البحرين ضد أي هجوم وتدعمها بكل الموارد المتاحة.

وكان حرص إيران على تعزيز العلاقات مع المملكة يتطلب معالجة قضية تمثّلت في النزاع على الحدود البحرية السعودية الإيرانية في وسط الخليج العربي، فاتفق الطرفان في الطائف في 23 ربيع الأول 1388هـ/29 يونيو 1968م على تقسيم جغرافي للمنطقة، بالإضافة إلى تقاسم النفط الموجود بين الطرفين بالتساوي، ووافق الملك فيصل على ذلك كي يضمن تأييد إيران لقيام اتحاد الإمارات العربية، وتعامل الملك فيصل مع القضية الأكثر تعقيدًا والمتمثلة في محاولات إيران ضم الجزر الإماراتية ومعارضتها لمشروع إنشاء الإمارات العربية المتحدة بسبب الخلاف حول الجزر، فسعى الملك فيصل إلى دعم موقف أمراء الخليج العربي ومشايخهم في قيام اتحاد بينهم، وذلك بالاتفاق مع الكويت على إعطاء مزيد من الدعم لموقف إمارات الخليج، كما واصل الاتصال مع حكام إمارات الخليج عن طريق الزيارات المتبادلة، وعن طريق تبادل إرسال مبعوثين بينه وبينهم، لتسوية المسائل العالقة ولإتمام الاتحاد قبل الانسحاب البريطاني، كما أعلن أن الولايات المتحدة ستساعد على قيام اتحاد بين الإمارات العربية.

سعى الملك فيصل إلى حل مشكلة اليمن التي لم تنجح قرارات مؤتمر الكويت في حسمها، فانعقد مؤتمر في مدينة الطائف في ربيع الآخر 1385هـ/أغسطس 1965م، والذي يُعد امتدادًا لسلسلة المؤتمرات التي تحاول إيجاد حل فعّال للأزمة اليمنية، كما التقى الملك فيصل الرئيس جمال عبدالناصر في جدة 25 ربيع الآخر 1385هـ/22 أغسطس 1965م وتوصلا إلى توقيع اتفاقية جدة، التي كان من أهم بنودها أن يُترك للشعب اليمني تحديد نوع الحكم الذي يرتضيه، وأن تسحب مصر قواتها من اليمن، إضافة إلى التعاون في تشكيل مؤتمر انتقالي لتحقيق السلام وتقرير نوع الحكم.

كان للملك فيصل حضور قوي في تسوية الخلافات العربية، ومع اقتراب موعد القمة العربية في الدار البيضاء 1385هـ/1965م سارع حينها الملك فيصل إلى لمّ الشمل العربي، وافتُتحت أعمال القمة في 17 جمادى الأولى 1385هـ/12 سبتمبر 1965م، وكانت مشاركة الملك فيصل إحدى الدعائم التي ساعدت على قيام بوادر التضامن العربي، وأطلق على تلك القمة "قمة التضامن العربي"، لأهميّة القرارات التي توصل إليها أعضاء القمة، وكانت تهدف إلى لم الشمل العربي، والبُعد عن الخلافات، والبُعد عن تدخل أي دولة في شؤون الأخرى.

وأمام الصراع العربي الإسرائيلي برز دور المملكة خلال هذه المرحلة، وأصبحت عنصرًا فاعلاً في الساحة العربية والإسلامية، واستطاع الملك فيصل القيام بدور المحاور الأساسي للأطراف العربية بشأن أهم القضايا العربية، وكانت فترة حكمه من أهم الفترات حسمًا في تاريخ الأمة العربية عمومًا، وكان من أكثر القادة العرب وضوحًا في الرؤية وسدادًا في الرأي، وصوابًا في اتخاذ القرار الملائم لمصلحة قضية العرب الأولى، قضية فلسطين.

وأثناء حرب يونيو 1967م أعلن الملك فيصل تأييده ودعمه للدول العربية المُعتدى عليها، وكان أول حاكم يُرسل قوات عسكرية إلى الأردن، وأعلن التعبئة العامة في المملكة، وأبدى استعداد المملكة لخوض المعركة إلى جانب الدول العربية المُعتدى عليها، ثم أعلن ردًا صريحًا في 1 ربيع الأول 1387هـ/ 10 يونيو 1967م بإيقاف ضخ النفط السعودي إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لمساندتهما إسرائيل، وبذل الملك فيصل جهودًا لعقد مؤتمرات عربية وإسلامية لدعم قضية العرب ضد إسرائيل، وهي إحدى الثوابت التي كان يؤكدها دائمًا وأخذت الصدارة في خطاباته الرسميّة وفي تحركاته الدبلوماسية.

ومن أبرز المؤتمرات التي حضرها وكان المحاور الأساسي فيها مؤتمر القمة العربي الرابع المنعقد في مدينة الخرطوم جمادى الأولى 1387هـ/أغسطس 1967م، الذي حضره ممثلو 14 دولة، وتقرّر فيه تقديم الدعم المالي لدول المواجهة، لإعادة تسليح هذه الدول وتمكينها من مواجهة آثار الضربة السياسية والعسكرية التي ألحقتها إسرائيل بالعالم العربي، وأسهمت المملكة بالنصيب الأكبر من ذلك الدعم. وفي هذا المؤتمر أقر مبدأ اللاءات الثلاثة المشهورة "لا صلح مع إسرائيل، لا تفاوض معها، لا اعتراف بها".

الملك فيصل بن عبدالعزيز في زيارة إلى السودان ويظهر بجانبه الرئيس السوداني إسماعيل الأزهري عام 1966م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز في زيارة إلى السودان ويظهر بجانبه الرئيس السوداني إسماعيل الأزهري عام 1966م. (دارة الملك عبدالعزيز)

التضامن الإسلامي 

وسع الملك فيصل التضامن العربي إلى دائرة أوسع، هي التضامن الإسلامي، الذي كان يبتغي من ورائه تحقيق ثلاثة أهداف عالميّة، الأول: التعاون في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين شعوب العالم الإسلامي وحكوماته كلها. والثاني: محاولة طرد النفوذ الشيوعي واليساري المتطرف من المنطقة العربية. والثالث: جذب الدعم الإسلامي لصالح الموقف العربي لمواجهة إسرائيل. وفي سبيل ذلك زار الملك فيصل عددًا من البلدان الإسلامية والعربية في قارتي آسيا وأفريقيا بدءًا بدولة إيران في شعبان 1385هـ/ديسمبر 1965م، بدعوة رسمية من الشاه محمد رضا بهلوي، ثم دولة الأردن في شوال 1385هـ/يناير 1966م، بدعوة مماثلة من الملك حسين، ثم دولة السودان في ذي القعدة 1385هـ/1966م، بدعوة من إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة.

وفي ذي الحجة 1385هـ/أبريل 1966م زار الملك فيصل دولة باكستان تلبية لدعوة من رئيسها محمد أيوب خان، وفي العام نفسه لبّى دعوة لزيارة إسبانيا من الرئيس فرانسيسكو فرانكو، كما زار في رحلة استغرقت نحو شهر خمس دول، هي تركيا، والمغرب، وغينيا، ومالي، وتونس، وكان من أبرز المشاركين في المؤتمرات الإسلامية المهمة، وهي مؤتمر عمّان في 17 جمادى الآخرة 1387هـ/ 21 سبتمبر 1967م بحضور ممثلي 21 دولة إسلامية لبحث العدوان على فلسطين. 

كما حضر مؤتمر القمة الإسلامية الأول في مدينة الرباط في 11 رجب 1389هـ/ 22 سبتمبر 1969م، إثر حريق المسجد الأقصى في فلسطين، والذي عُقد استجابةً لنداء الملك فيصل إلى العالم الإسلامي للتشاور حول وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية، وحضره آنذاك مندوبو 26 دولة إسلامية، وكانت مخرجات المؤتمر تحوّل القضية الفلسطينية من قضية عربية إلى قضية إسلامية تدعمها وتقف إلى جانب شعبها جميع الدول الإسلامية، وهو الهدف الذي كان يبتغيه الملك فيصل من دعوته للتضامن الإسلامي. كما تمكن الملك فيصل من تحقيق انتصار كبير للتضامن الإسلامي، واستطاع جذب أصوات بعض الدول التي كانت ترتبط مع إسرائيل بعلاقات دبلوماسية إلى صالحه، وحُدد خلال المؤتمر موعد لاجتماع ثانٍ عُقد في جدة، تقرر فيه تأسيس أمانة عامة للدول الإسلامية، لتصبح منظمة عالمية.

وفي الاجتماع الثاني المنعقد في جدة لأعضاء الدول الإسلامية 1391هـ/1971م وافق الأعضاء على تنظيم العلاقات بين الدول الإسلامية من خلال ميثاق مكتوب، وفي العام التالي 1392هـ/1972م عقد المؤتمر الثالث، ووصل عدد أعضاء المنظمة إلى 30 دولة إسلامية وافقت على تبني الميثاق، وتقرر إطلاق اسم  "منظمة المؤتمر الإسلامي" لها، وبعد عامين اعترفت هيئة الأمم المتحدة بالمنظمة والميثاق الخاص بها بعد أن أثبتت جدواها على الصعيدين الإسلامي والدولي.

واتجه الملك فيصل اتجاهًا جديدًا في السياسة الخارجية السعودية، فوجّه أنظاره نحو دول الشرق الأقصى لكسب مزيد من التأييد للقضايا العربية والإسلامية، وزار في 1391هـ/1971م دولة إيران، ثم دولة الصين الوطنية، تلبية لدعوة الرئيس تشانج كاي شيك، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس عربي للصين الوطنية، ثم دولة اليابان بدعوة من الإمبراطور هيروهيتو، توجه بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثم فرنسا.

وفي 10 رمضان 1393هـ/6 أكتوبر 1973م عادت الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، وأدى الملك فيصل قبلها دورًا بارزًا بجانب مصر وسوريا في الإعداد للمعركة والتخطيط لها، وقاد فيها الضغط على الدول الداعمة لإسرائيل بتصدير النفط، وخفَّض إنتاجه بنسبة 5% شهريًا حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1387هـ/1967م، علما بأن هذا القرار لم يَسرِ على الدول المحايدة والصديقة التي وقفت بجانب العرب في ذلك الوقت، ومن بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والهند، ومع استمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل أعلن الملك فيصل خفض إنتاج بلاده من النفط عنها بنسبة 10%، وتبعته الدول العربية الأخرى، وبعد عدم التجاوب مع مطالب الدول العربية أصدر الملك فيصل في 23 رمضان 1393هـ/19 أكتوبر 1973م بياناً يقضي بفرض الحظر الكامل لتصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومعها هولندا والبرتغال وروديسيا وجنوب أفريقيا.

كانت معركة النفط التي قادها الملك فيصل متزامنة مع تحركات عسكرية لمواجهة العدوان من قبل مصر وسوريا، إضافة إلى إصدار الملك فيصل أمرًا للقوات المسلحة السعودية بالاستعداد والتحرّك إلى سوريا لدعم دول المواجهة. أسهم هذا التعاون العسكري في جعل العرب يكسبون الحرب، ونجحت هذه الحرب في صنع جبهة عربية متماسكة، كان من نتائجها أن سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استخدام كل الوسائل الدبلوماسية للبحث عن تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، وتأييد الدول الأوروبية للحق العربي، ومعها الدول الاشتراكية غير المنحازة، وظهور التضامن الأفريقي والتضامن الإسلامي بكل صوره بجانب القضية العربية.

كان الملك فيصل حريصًا خلال جهوده على إبراز التضامن العربي الإسلامي أمام العالم، وهو ما بلغ ذروته في القمة الإسلامية الثانية في لاهور بباكستان التي عُقدَت في 1394هـ/1974م، وكانت شاهدًا على تجمّع إسلامي كبير، إذ حضرته جميع الدول الإسلامية، باستثناء غينيا التي اعتذرت. ودعم الملك فيصل حركة التضامن الإسلامي، وكان من نتائجها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وإنشاء صندوق التضامن الإسلامي لتمويل أنشطة منظمة المؤتمر الإسلامي، التي منها دعم صمود الشعب الفلسطيني في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي العام نفسه استقبل مؤتمر المنظمات الإسلامية الأول المنعقد في مقر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.

ومؤتمر القمة العربية السابع في الرباط 1394هـ/1974م الذي انعقد لبحث مسار السياسة العربية بعد حرب أكتوبر، وتقرّر فيه إنشاء صندوق مالي لدعم القضية الفلسطينية، وجاءت قرارات الأمم المتحدة الصادرة في 6 ذي القعدة 1394هـ/ 22 نوفمبر 1974م نجاحًا للدبلوماسية العربية التي برزت فيها جهود الملك فيصل، ونصت على تأييد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في السيادة والاستقلال، وعلى منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب في الجمعية العامة والمؤتمرات الدولية التي تنعقد في ظل هيئة الأمم المتحدة.

الملك فيصل بن عبدالعزيز والملكة إليزابيث في بريطانيا عام 1976م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز والملكة إليزابيث في بريطانيا عام 1976م. (دارة الملك عبدالعزيز)

سياسة المملكة العربية السعودية الخارجية في عهد الملك فيصل

كانت سياسة المملكة الخارجية هي المحافظة على العلاقات الجيدة لبلاده مع الدول الأجنبية الصديقة، وخصوصًا الغربية منها، إلا في حالة تعارض سياسة تلك البلاد مع سياسة المملكة، وخصوصًا فيما يخص القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل، فكان لا يتأخر عن قطع العلاقات الدبلوماسية لبلاده مع الدول التي تُظهر مساندتها لإسرائيل بأي شكل، مثلما حدث مع ألمانيا الغربية في 13 محرم 1385هـ/14 مايو 1965م لموافقتها على دفع مبالغ ضخمة لإسرائيل. ومع احتفاظ المملكة بعلاقات صداقة مع بريطانيا إلا أن الملك فيصل قطع النفط عنها إبان العدوان الإسرائيلي على الدول العربية عام 1387هـ/ 1967م، وظل يحاور الدبلوماسية البريطانية حتى تمكن من إقناعها بالوقوف إلى جانب الحق العربي، وهو ما ظهر حين عُرضَت القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة عام 1394هـ/ 1974م.

وكانت علاقة المملكة مع حكومة فرنسا تعرّضت لنوع من التوتر في عهد الملك فيصل، نظرًا لمناصرة الملك فيصل للبلاد العربية المُستعمرة من قِبل فرنسا، مثل الجزائر التي قدّم لها دعمًا بالمال والسلاح والتأييد، وكان اللقاء بين الملك فيصل والرئيس شارل ديجول عشية العدوان الإسرائيلي على الدول العربية عام 1387هـ/1967م أحد العوامل المهمة في تغيير موقف فرنسا لصالح الحق العربي، وعلى هذا المثال سارت علاقات المملكة مع بقية الدول الأوروبية، وحتى دول شرق آسيا، وهي علاقات قائمة على مبدأ الصداقة والاحترام، لا تشوبها شائبة سوى موقف بعض هذه الدول من القضايا العربية والإسلامية التي كان الملك فيصل حريصًا عليها ويعمل على تدعيمها.

كانت العلاقات السعودية الأمريكية حجر الزاوية التي شكّلت شخصية الملك فيصل أساسها بالدرجة الأولى، إذ كانت الإدارة الأمريكية تنظر بعين الاحترام والتقدير إليه، نظرًا إلى الحضور الشخصي وقوة البيان اللذين يظهرهما الملك فيصل خلال زياراته للولايات المتحدة الأمريكية وتعامله مع الرؤساء الأمريكيين، والتي دفعت بمصداقيته إلى الصدارة.

استشهاد الملك فيصل بن عبدالعزيز

استُشهد الملك فيصل يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول 1395هـ/ 25 مارس 1975م، وبُويع ولي عهده الملك خالد بن عبدالعزيز ملكًا على البلاد، وعيّن الملك فهد بن عبد العزيز وليًّا للعهد. 

أبناء الملك فيصل 

للملك فيصل عدد من الأبناء والبنات هم:  عبدالله، محمد، خالد، سعود، عبدالرحمن، سعد، بندر، تركي، العنود، الجوهرة، حصة، نورة، سارة، مشاعل، لولوة، هيفاء، منيرة، فلوة، لطيفة.

الملك فيصل بن عبدالعزيز رافعا يديه بالدعاء. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك فيصل بن عبدالعزيز رافعا يديه بالدعاء. (دارة الملك عبدالعزيز)

كيانات تحمل اسم الملك فيصل بن عبدالعزيز

جائزة الملك فيصل العالمية 

أطلقت مؤسسة الملك فيصل الخيرية جائزة الملك فيصل، ومُنحت للمرة الأولى في عام 1399هـ/1979م، وتهتم الجائزة بمكافأة الأفراد والمؤسسات على إنجازاتهم الفريدة في خمسة فروع مختلفة، هي خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم. وتهدف الجائزة إلى خدمة المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم وحثّهم على المشاركة في كل ميادين الحضارة،  كما تهدف إلى إثراء الفكر الإنساني والمساهمة في تقدم البشرية، ويُختار الفائزون استنادًا إلى مدى أهليتهم وجدارتهم، كما تؤدي لجان متخصصة في الاختيار مهمة مراجعة أعمالهم بدقة، كما يتم اختيارهم وفقًا لمعايير دولية دقيقة، ويرأس هيئة الجائزة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، الابن الثالث في الترتيب للملك فيصل. وامتد عطاء جائزة الملك فيصل لأكثر من أربعة عقود، وفاز بها 290 شخصًا من 45 دولة حول العالم.

مؤسسة الملك فيصل الخيرية 

هي مؤسسة خيرية ذات أبعاد عالمية، تأسست في عام 1396هـ/1976م بهدف الحفاظ على إرث الملك فيصل والمضي في تحقيق رؤاه، اتخذت المؤسسة رؤية الملك فيصل نهجًا لها، وتحتفظ المؤسسة باستقلاليتها المالية، مما يسمح لها بإنشاء وتطوير برامج تخدم أهدافها، وأنفقت المؤسسة منذ إنشائها وحتى عام 1442هـ/2020م أكثر من 2.4 مليار ريال سعودي لدعم ركائزها المساندة ومشاريعها الخيرية ومنحها الدراسية، وأنجزت مشروعها الخيري الأوّل في عام 1399هـ/1979م.

مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية 

أنشأت مؤسسة الملك فيصل الخيرية في عام 1403هـ/1983م مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بهدف مواصلة رسالة الملك الراحل لنقل المعرفة بين المملكة وبقية العالم منذ ذلك الحين. أصبح المركز منارةً للبحث والعلم والثقافة. ويتمثل الدور الرئيس للمركز في توفير منصة معرفية تجمع الباحثين والمؤسسات البحثية محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا؛ لإنتاج بحوث أصيلة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، والمشاركة في المناقشات العلمية والحوار بين الثقافات المختلفة. ولا تقتصر مهامه على البحوث فحسب، بل يؤدي المركز أدوارًا متنوعة بدءًا من النشر والمكتبة إلى الأرشيف والمتحف.

ويضم مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية تحت لوائه عددًا من الأذرع المساندة في الخدمات، هي دار الفيصل الثقافية، وهي ذراع النشر للمركز، تختص بإصدار الكتب والدوريات في الموضوعات التي تهم المملكة والمجتمعات العربية والإسلامية والعالمية، ومكتبة مركز الملك فيصل، وتقدم خدمات متنوعة لمساعدة الباحثين، وتحفظ دارة آل فيصل تراث الملك فيصل وعائلته وترفع الوعي به. ويسهم متحف الفيصل في حفظ وعرض مقتنيات قيمة من الفنون العربية الإسلامية والمخطوطات النادرة، وذكريات الراحل الملك فيصل.