تم نسخ الرابط بنجاح

الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود

saudipedia Logo
الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
مقالة
مدة القراءة 38 دقيقة
آخر تحديث للمقالة 17/08/2023

الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود (1293هـ/1876م - 1373هـ/1953م)، هو مؤسس المملكة العربية السعودية وموحدها، وأول ملوكها، لقب بالسلطان، والملك المؤسس، وابن سعود، ومعزّي، ويُكنى بأبي تركي، وهو ابن آخر أئمة الدولة السعودية الثانية الإمام عبدالرحمن بن فيصل، والحاكم الرابع عشر من أسرة آل سعود، تولى الحكم في المملكة العربية السعودية وهو في العشرينات من عمره،  وأمضى في الحكم 54 عامًا، جعلته صاحب أطول فترة حكم في تاريخ الدولة السعودية. 

نسب الملك عبدالعزيز

هو عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن المسيب بن المقلد بن بدران بن مالك بن سالم بن مالك بن غسان بن ربيعة بن منقذ بن الحارث بن سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. 

والده الإمام عبدالرحمن النجل الرابع للإمام فيصل بن تركي، أحد أئمة الدولة السعودية الثانية، التي حكمت في الفترة (1240هـ/1842م - 1309هـ/1891م)، ووالدته الأميرة سارة بنت أحمد السديري، ولدت ونشأت في الأحساء، حيث ولّى الإمام فيصل بن تركي والدها إمارة الأحساء. وتذكر المصادر بعض أوصافها بأنها سيدة طويلة القامة، ومنها ورثَ الملك عبدالعزيز قامته وبنيته الكبيرة، وللملك عبدالعزيز 8 إخوة، هم: محمد، سعود، عبدالله، أحمد، مساعد، سعد (الثاني)، عبدالمحسن، وله أخ شقيق اسمه سعد استشهد في معركة كنزان.

تعود جذور الملك عبدالعزيز إلى الأسرة الحاكمة التي أسّست وحكمت الدولة السعودية الأولى والثانية منذ ثلاثة قرون، وترجع جذور استقرار أسرة آل سعود في الدرعية إلى منتصف القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، حيث انتقل الأمير مانع بن ربيعة المريدي، الجد الثاني عشر للملك المؤسس، مع أفراد عشيرته من شرقي الجزيرة العربية إلى وسطها حيث منازل قبيلته، واتخذوا وادي حنيفة في إقليم اليمامة مقرًّا لهم، وأسس على ضفافه الأمير مانع مدينة "الدرعية" نسبة إلى اسم العشيرة "الدروع"، وتعد الدرعية نواة تأسيس الدولة السعودية الأولى، على يد الإمام محمد بن سعود في 2 رجب 1139هـ/22 فبراير 1727م، الذي اتخذها عاصمة لدولته الحديثة.

الملك عبدالعزيز في شبابه. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز في شبابه. (دارة الملك عبدالعزيز)

مولد الملك عبدالعزيز ونشأته

وُلد الملك عبدالعزيز في 19 ذي الحجة 1293هـ/4 يناير 1876م، في مدينة الرياض عاصمة الدولة السعودية الثانية، وتربى في كنف والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ووالدته الأميرة سارة السديري، تعلّم القراءة والكتابة والقرآن الكريم في سن السابعة، وفي سن العاشرة تعلم الفقه والتوحيد، وإلى جانب ذلك تعلم ركوب الخيل ومهارات الفروسية.

عاصر الملك عبدالعزيز فترة اضطرابات داخلية على الحكم في أولى فترات حياته، وشارك خلال حكم والده الإمام عبدالرحمن مع وفد ضم كبار أعيان الرياض خرج لمفاوضة ابن رشيد على الصلح، بعد أن حاصر الرياض لمدة 40 يومًا، وكان حينها لم يبلغ الـ 15 من عمره، والذي انتهى بالاتفاق على بقاء إمارة الرياض وتوابعها للإمام عبدالرحمن وإطلاق سراح رجال ابن رشيد. 

بعد انتهاء الدولة السعودية الثانية في 1308هـ/ 1891م، خرج الملك عبدالعزيز من الرياض في عمر الـ 16 وتنقّل مع والده وأسرته في الصحراء بين قطر والبحرين والأحساء، بين باديتي "آل مرة" و"العجمان"، وكان يعتمد عليه والده الإمام عبدالرحمن في مراسلاته السياسية، إذ أرسله إلى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، أمير البحرين آنذاك، فور خروجه من الرياض لطلب الإذن منه حول إقامة النساء من عائلته في البحرين، خوفًا عليهن من تبعات اضطراب الأمن في البادية، فوافق حينها الشيخ عيسى. عاد الإمام عبدالرحمن إلى الرياض بعد تنظيم صفوفه، وواجهه ابن رشيد في "حريملاء"، لكن لم يظفر الإمام في معركته، وعاد إلى البادية، أرسل حينها الملك عبدالعزيز إلى الأحساء للتفاوض مع متصرفية الدولة العثمانية بشأن إقامة الإمام وعائلته فيها، ورُفض طلبه، وبقي في البادية سبعة أشهر. 

استأذن الإمام عبدالرحمن من أمير قطر آنذاك الشيخ قاسم بن ثاني للإقامة في قطر، فأذن له، وأقام فيها أربعة أشهر، حتى انتقل مع أسرته إلى الكويت في مطلع عام 1311هـ/1893م، وكان هذا ما أراده الإمام من تنقلاته في الصحراء وبحثه عن مقرّ قريب من الرياض؛ أن يكون مطّلعًا على أحوال الرياض ومستعدًا للعودة إليها. اكتسب الملك عبدالعزيز من تجربة التنقل في الصحراء والأحداث المتتالية التي صاحبت مسيرة عائلته خبرة قياديّة، تعرّف من خلالها على طباع البادية وجغرافيّة المنطقة من حيث الطرق والموارد، والأوضاع الإدارية للأقاليم المحيطة. 

حياة الملك عبدالعزيز في الكويت

استقرت أسرة الإمام عبدالرحمن في الكويت منذ عام 1311هـ/1893م، وعاش الملك عبدالعزيز فيها فترة صباه لمدة تسعة أعوام، لكنه بقي على اطلاع بالتطورات السياسية والأحوال العامة في نجد، عن طريق التجار والعلماء النجديين القادمين إلى الكويت، يتحيّن الفرصة المناسبة للعودة إلى الرياض واستعادة حكم الدولة السعودية، في عمر 19 تزوج فتاة من البادية، لكنها توفيت بعد 6 أشهر، وتزوج بعدها وضحاء بنت محمد بن برغش من آل عريعر، أنجب منها ابنه البكر تركي، ثم سعود ثاني ملوك المملكة العربية السعودية، ثم منيرة.

شهد الملك عبدالعزيز خلال إقامته في الكويت العديد من الأحداث المحلية والعالمية، أسهمت في إثراء خبرته السياسية، حيث اطلع على مجريات الأمور السياسية التي كانت تحدث في أرض الكويت، كما أفاد من خبرة والده وتوجيهاته، إلى جانب تشجيع أخته الكبرى "نورة" وتحفيزها له على استرداد الرياض وكان يقدّرها كثيرًا، ويفتخر بها وينتخي دائمًا باسمها "أخو نورة"، كل هذا أسهم في تكوين شخصيته القيادية، التي وظّفها فيما بعد في التخطيط والتجهيز لاسترداد الرياض، ومن ثم توحيد أجزاء البلاد وبناء الدولة. 

المهام الأولى في حياة الملك عبدالعزيز

كان أول عمل عسكري للملك عبدالعزيز المشاركة مع والده الإمام عبدالرحمن وحملة الشيخ مبارك الصباح لمواجهة ابن رشيد في معركة الصريف في 26 ذي القعدة 1318هـ/17 مارس 1901م، بعد أن تلقى والده رسالة من أنصاره في نجد يعبّرون فيها عن ولائهم له واستعدادهم لمساندته، واجه جيش الشيخ مبارك والإمام عبدالرحمن رجال ابن رشيد في موقعٍ بين الطرفيّة والصريف في منطقة القصيم، وبعد قتال دام طيلة ذلك النهار هُزم جيش الشيخ مبارك.

وكان الملك عبدالعزيز قبل الوصول إلى الصريف وتحديدًا في موقع يُسمى "غدير الشوكي"،  قد انفرد عن جيش والده بقوة قُدّرت بـ 1000 مقاتل، متجهًا بها نحو الرياض في خطة لاسترداد حكم والده وعاصمة آبائه وأجداده، وعلى الرغم من طول المسافة بين الشوكي والرياض؛ إلا أنه قطعها في يومين، وواجه حامية ابن رشيد وقاتلهم حتى تراجعوا وتحصّنوا داخل قصر المصمك، ومن ثم حاصرهم 40 يومًا حتى اضطر إلى فك الحصار فيما بعد ومغادرة الرياض، بعد أن وصلته أخبار هزيمة جيش الشيخ مبارك ووالده في الصريف.

مرحلة استرداد الرياض

التخطيط لاسترداد الرياض

بدأت أحداث استرداد الرياض منذ عودة الإمام عبدالرحمن من معركة الصريف، حيث بقي الملك عبدالعزيز يلحّ على والده بإعادة المحاولة والتحرك نحو الرياض، لكن الوالد كان يرفض ذلك، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن يسعى جاهدًا لإقناعه، وإقناع والدته أن تكون وسيطًا بينه وبين والده، وتذكر المصادر نقلًا عن الملك عبدالعزيز إصراره وعزمه على الأمر، وأنه اجتمع مع والده ذات يوم في مكانٍ خال خارج المدينة، وأصرّ على الحديث معه حول استرداد الرياض لكنه رفض، فقال الملك عبدالعزيز أنت أمام خطتين؛ إما أن تأمر أحد رجالك بانتزاع رأسي من بين كتفيّ، وإما أن تأذن لي وتأخذ عهدًا من الشيخ مبارك بتسهيل خروجي للقتال في بطن نجد.

وافق الإمام عبدالرحمن على خروج ابنه، وطلب من الشيخ مبارك تسهيل الأمر، وتم له ذلك، وأمدّه بعتاد بسيط لا يكاد يكفي الرحلة، تمثّل في 40 ذلولًا، وهي نوع من الإبل سريعة العدو، و30 بندقية، و200 ريال، فجمع الملك عبدالعزيز رجاله من أسرته وأتباعه المقربين وعددهم 40 رجلًا، وخرج من الكويت في ربيع الآخر 1319هـ/يوليو 1901م، أي بعد 5 أشهر من محاولته الأولى في معركة الصريف.

الطريق إلى الرياض

سار الملك عبدالعزيز من الكويت قاصدًا العُيينة (عيينة كنهر) شمالي الأحساء، وفي أثناء مسيرته أغار على عدد من القبائل الموالية لابن رشيد، وحقق انتصارات متتالية في معاركه، كان يهدف منها إلى جمع الرجال حوله، والإعلان عن قوته تمهيدًا لدخول الرياض، ذاع صيت انتصاراته بين القبائل؛ مما جعلهم ينضمون إلى صفوفه، والتف حوله منهم نحو 1400 مقاتل، سار بهم نحو الغرب باتجاه صحراء الدهناء، وبعد خمسة أيام من المسير وصل إلى "حفر العتك"، وأرسل من هناك طلائع إلى الرياض لمعرفة إمكانية مهاجمتها، وجمع المعلومات عن أوضاعها، وبقي في انتظارهم حتى عادوا إليه بأخبار تُفيد بعدم مناسبة الوقت للتقدم إلى الرياض.

أرجأ الملك عبدالعزيز دخول الرياض في ذلك الوقت، وواصل تحركاته نحو القبائل الموالية لابن رشيد في بوادي نجد، وانتصر في معاركه معها، ووزع جميع ما كسبه من غنائم على رجاله، وكانت تلك عادته لدعم وتشجيع رجاله ورفع معنوياتهم، وكان يهدف من الغارات إلى تهيئة رجاله لاسترداد الرياض، ومعرفة مدى سهولة التحرك في المناطق التي تقع في نفوذ الدولة العثمانية وقتها في جهات الأحساء، ثم عاد برجاله إلى الأحساء وغيّر مسار عودته. بقي في الأحساء نحو 4 أيام، ثم تحرك نحو الشمال وشنّ غارة أخرى على بعض القبائل في بادية سدير، واتجه إلى بنبان قرب الرياض، وهذه الغارة تحديدًا زادت من عدد رجاله، حيث بلغ نحو 2,100 ما بين هجّان وخيّال. 

كان ابن رشيد حليفًا للدولة العثمانية في الأحساء، فطلب منهم التضييق على الملك عبدالعزيز ورجاله، ومنعهم من التموّن والإقامة في الأحساء، فلُبّي طلبه، وعلى إثر ذلك التضييق اضطر الملك عبدالعزيز إلى التحرك جنوبًا نحو حرض، وانفضّ من حوله بعض المقاتلين، فحاول الإبقاء على بقية رجاله بأن جهزهم لحملة أخيرة على الثليماء جنوب شرقي الخرج، قاصدًا إعلام أتباعه بقوته رغم مضايقة العثمانيين له، تفرّق عنه بقية رجاله فيما بعد ولم يبق معه سوى 40 فردًا الذين خرجوا معه من الكويت، و23 فردًا ممن انضموا له، توجه بهم متخفيًا عن الأنظار نحو يبرين ورسم هناك خطّة التخفّي، وتزوّد ورجاله بالمؤونة.

أثناء استقرار الملك عبدالعزيز في يبرين وفد إليه مبعوث من والده يطلب منه التوقف عن مواصلة تحركاته والعودة للكويت، فجمع رجاله وأطلعهم على محتوى الرسالة، وأظهر لهم رغبته في إكمال مسيرته وألا يعود للكويت حتى يحقق مبتغاه باسترداد الرياض، أو يموت دون ذلك. وخيّر رفاقه بين الرجوع أو البقاء معه، واختار الجميع أن يبقوا معه حتى النهاية. اشتدت الضغوط على الملك عبدالعزيز؛ جرّاء قطع التموين عنه ومراقبة تحركاته، فأبلغ رفاقه باستراتيجية جديدة تعتمد على السرية والمباغتة بعدد قليل من الرجال، فاتخذ قرار التخفي التام، واتجه بهم إلى رمال الجافورة شمال صحراء الربع الخالي، وهي منطقة غير مأهولة بالسكان، وذات طبيعة صعبة، وكان يهدف إلى التخفي عن الأنظار والتجهيز للزحف إلى الرياض، معتمدًا على ما ترسخ في ذاكرته من حياته المبكرة، عندما تنقّل مع والده في صحراء الربع الخالي، مما أتاح له معرفة بجغرافيّة المنطقة ومواردها وطرقها، وأقاموا في رمال الجافورة 50 يومًا، في ظروف مناخية قاسية، من مطلع شعبان إلى 20 رمضان 1319هـ/ نوفمبر- ديسمبر 1901م.

معركة الرياض

خرج الملك عبدالعزيز ورجاله من رمال الجافورة متجهين نحو الرياض، بعد 50 يومًا؛ تنفيذًا لاستراتيجيته السريّة التي أراد منها قطع أخباره وإخفاء أثره، لإيهام خصومه بأنه توقف عن القتال وعاد إلى الكويت، كما كان ينتظر حلول الشتاء للاستفادة من لياليه المظلمة، ليتمكن من التحرك بسريّة تامة، ونظرًا للظروف المناخية التي واجهتهم في الجافورة تضررت الإبل التي تحملهم وأضرّ بها برد الشتاء القارس في الصحراء، إذ وصفتها المصادر نقلًا عن الملك عبدالعزيز بأنها "رديئة"، اختار الملك عبدالعزيز توقيتًا مناسبًا للخروج من الجافورة في يوم 20 من شهر رمضان، وهو يوافق شهر الصوم وانقطاع المسلمين للعبادة، مما يعني قلّة مرور القوافل التجارية في المنطقة، وبالتالي فرصة ملائمة للتحرك بحرية، وكانت مدة تحركه من الجافورة إلى الرياض 15 يومًا.

سار الملك عبدالعزيز ورجاله حتى استقروا في ضلع "الشقيب"، وهو منحدر من "جبل أبو غارب"، جنوب الرياض، في الليلة السابقة للمعركة، وهناك بدأ تنفيذ خطته؛ حيث قسّم جيشه إلى ثلاث مجموعات، الأولى تتألف من 23 رجلًا وتكون قوة احتياطية تستقر في ضلع "الشقيب" وتحمي الإبل، وقوة أخرى تتألف من 33 رجلًا تحت إمرة أخيه محمد تكون للحماية على مقربة من مدخل الرياض، وقاد بنفسه المجموعة الأخيرة التي تضم 6 من رجاله، هم: عبدالعزيز بن جلوي، وفهد بن جلوي، وعبدالله بن جلوي، وناصر بن سعود، والمعشوق، وابن سبعان، وساروا مشيًا على الأقدام إلى داخل الرياض.

وصل الملك عبدالعزيز إلى باحة قصر المصمك مقر حاكم الرياض، وكانت خطته مهاجمة عجلان في منزله دون أن يتعرّض الأهالي في المدينة لأي ضرر، وتسللوا إلى داخل المنازل المقابلة للقصر وعرفوا بأن عجلان يبيت مع حراسه في داخل قصر المصمك، وبعد تأمين موقعهم أرسل في طلب مجموعة أخيه محمد التي تُعسكر قُرب مدخل الرياض وانضموا إليه، وعند طلوع فجر 5 شوال 1319هـ/15 يناير 1902م، هاجم الملك عبدالعزيز ورجاله القصر، واشتبكوا مع حامية عجلان بن محمد العجلان أمير الرياض آنذاك، في معركة سريعة انتهت بمقتل عجلان وبعض رجاله واستسلام البقية، وإعلان أن الحكم لله ثم لعبدالعزيز، واستعادة عاصمة آبائه وأجداده إيذانًا ببدء عهد جديد، بعد عشرة أعوام من سقوط الدولة السعودية الثانية. 

تحفظ المملكة العربية السعودية الفضل للمشاركين مع الملك عبدالعزيز في معركة استرداد الرياض، ويُعرفون باسم "روّاد التأسيس"، ورجال الملك عبدالعزيز الأوفياء، نظرًا لما قدموه من مساندة ووفاء للملك عبدالعزيز في مرحلة تعد الأصعب في مسيرة تأسيس الدولة السعودية الحديثة، حيث ساروا معه من الكويت متنقلين بين الأحساء، وبوادي نجد، وصحراء الجافورة في ظروف مناخية قاسية قرابة ستة أشهر، وشاركوه في جميع معاركه مع القبائل، وتقديرًا لهم وجّه الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود عام 1419هـ/1999م، بتكريم الرواد ومنحهم وسامًا خاصًّا باسم "وسام الروّاد"، يُمنح لأسرهم بمناسبة الاحتفال الوطني بمرور مئة عام على تأسيس المملكة.

مبايعة الملك عبدالعزيز حاكمًا على الرياض

بعد دخول قصر المصمك وإعلان استعادة حكم آل سعود، بدأ الملك عبدالعزيز في بناء سور مدينة الرياض الذي هُدم في وقت سابق، وأرسل أحد رجاله وهو ناصر بن سعود إلى الكويت، ليحمل خبر انتصار الملك عبدالعزيز إلى والده الإمام عبدالرحمن والشيخ مبارك الصباح، ويطلب منه المدد، وبعد شهر جاء الأمير سعد أخو الملك عبدالعزيز ومعه 100 رجل، وبعض الذخيرة، كما انضم إلى صفوف الملك عبدالعزيز عدد من أهل نجد فأصبح لديه نحو 1000 رجل. 

حضر الإمام عبدالرحمن من الكويت بمعيّة الأسرة السعودية، وأبلغه الملك عبدالعزيز بأن الإمارة له، وأنه سيكون جنديًا في خدمته، لكن الوالد رفض أن تكون له الإمارة، وبعد تدخّل العلماء وأهل الرأي من خاصته، قَبِل الملك عبدالعزيز الإمارة، على شرط أن يكون للأب الإشراف الدائم على عمله وإرشاده متى ما لزم الأمر، وفي 1320هـ/1902م تسلّم الملك عبدالعزيز إمارة الرياض على مشهد من الناس، وأعلن حينها الوالد تنازله عن الحكم، وأهدى إلى الملك عبدالعزيز سيف الإمام سعود الكبير ثالث أئمة الدولة السعودية الأولى.

بداية مسيرة توحيد الملك عبدالعزيز للمملكة العربية السعودية

بعد استعادة حكم الرياض قاد الملك عبدالعزيز أكبر عملية وحدة وطنية في تاريخ الدولة السعودية منذ نشأتها، وأسهمت 32 عامًا أمضاها الملك عبدالعزيز في توحيد معظم أجزاء الجزيرة العربية في إعادة توفير الأمن والاستقرار، مما أسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، وأصبح التأثير السياسي للملك عبدالعزيز معروفًا لدى الدول المجاورة وقتها، وصارت منجزاته محل اهتمام مؤلفين وكتَّاب من الدول العربية والغربية، واكتسب مكانةً شخصيةً، إضافةً إلى مكانته السياسية. 

أطراف الرياض والقصيم

سارت مراحل توحيد البلاد تدريجيًّا ودخلت بعض المناطق سلمًا إلى حكم الملك عبدالعزيز، فبعد إعلان الحكم لآل سعود أقبل أهل الخرج والحريق والحوطة ووادي الدواسر والأفلاج، وقدموا له المبايعة والطاعة، ثم واجه الملك عبدالعزيز جيش ابن رشيد في 1320هـ/1903م، وهزمه في معركة الدلم، وقللت خسارة ابن رشيد في معركة الدلم من نفوذه في المنطقة، مما ساعد الملك عبدالعزيز على التوسع شمالًا في 1321هـ/1904م، وضم المحمل والشعيب وشقراء وثرمداء والوشم، حتى تمكن من ضم منطقة سدير بأكملها.

وصل الملك عبدالعزيز بحدود إمارته إلى منطقة القصيم شمال غربي الرياض بعدما ضم بلدة السرّ، ووفدَ إليه آل مهنا أمراء بريدة وقتها، وآل سليم أمراء عنيزة من الكويت مبايعين، فهاجمت قوات الملك عبدالعزيز عنيزة في 1322هـ/1904م، وتمكّنت من ضمها إلى الحكم، وفي العام نفسه حاصرت بريدة واضطرت حامية ابن رشيد بقيادة عبدالرحمن بن ضبعان إلى التسليم، مما سهّل على الملك عبدالعزيز لاحقًا ضم جميع البلدات في القصيم. 

عاد ابن رشيد إلى الرياض مع مدد من الدولة العثمانية تمثّل في مجموعات من الجيش النظامي، والتقى معهم الملك عبدالعزيز في معركة البكيرية 1322هـ/1904م، التي انتهت بهزيمة الملك عبدالعزيز، لكنه جمع قواته من جديد والتقى معهم مرة أخرى في معركة الشّنانة في العام ذاته، واتخذ استراتيجية حرب جديدة، تتمثّل في تقسيم الجيش إلى قسمين؛ يواجه أحدهما جيش ابن رشيد، والآخر الجيش النظامي، وكان له النصر حينذاك. حاول ابن رشيد إعادة الكرّة في 1324هـ/1906م وقدِم بجيشه إلى روضة مهنّا شرق بريدة، لكن استطاع الملك عبدالعزيز هزيمته وانتهت المعركة بمقتل ابن رشيد، وانسحاب جيشه إلى حائل، خلفه ابنه متعب الذي عقد صلحًا مع الملك عبدالعزيز، وبذلك أصبحت القصيم بأكملها تحت إمارة آل سعود. 

الأحساء والقطيف

أراد الملك عبدالعزيز التوسّع نحو الأطراف الشرقية من الجزيرة العربية، وكان حريصًا على ضم الأحساء ليصل بحدود دولته إلى البحر، مما يكسبها أهمية اقتصادية، وفي 1331هـ/1913م خرج من الرياض بسرية متجهًا إلى الأحساء، وعندما وصل إلى سور الكوت الذي كان يُحيط بمدينة الأحساء، تسلّق رجال الملك عبدالعزيز إلى داخله، وأعلنوا دخول البلاد في حكم آل سعود، وضعفت قوات العثمانيين واستسلمت، وغادروا إلى العراق عبر البحر، وتمكّن الملك عبدالعزيز من ضم بقية مناطق الأحساء.

حائل

شهدت الفترة 1333-1337هـ/1915- 1919م تحركات عسكرية لقوات الملك عبدالعزيز نحو أطراف حائل، وتجدد القتال بين آل رشيد وقوات الملك عبدالعزيز، نتيجة نقض آل رشيد معاهدة الصلح بينهم وبين آل سعود، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا مواجهة جيش آل رشيد، ودارت بينهم عدة معارك أهمها معركة جراب بقرب محافظة الزلفي، وأرسل الملك عبدالعزيز إلى حائل قوات حاصرتها لمدة شهرين، حتى استسلمت وانضمت إلى حكمه، في مطلع 1340هـ/1922م.

الحجاز

أرسل الملك عبدالعزيز قواته بقيادة سلطان بن بجاد نحو الأجزاء الغربية من الجزيرة العربية، لنصرة خالد بن لؤي أمير تُربة الذي أعلن انضمامه إلى حكم الملك عبدالعزيز، حيث هاجمت قوات الشريف حسين بن علي بقيادة ابنه عبدالله بن الحسين تُربة وفتكوا بأهلها؛ لكن لم يستمر ذلك طويلًا، إذ باغتهم سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي بهجوم مفاجئ وكبير في 1337هـ/1919م، فهُزموا ولم ينج منهم إلا القليل، وبانتصار الملك عبدالعزيز في تربة بدأ بالزحف نحو الحجاز، خصوصًا بعد أن أرسلت إليه بريطانيا تطلب منه التوقف عند حدود تربة وألا يتقدم نحو مناطق أخرى في الحجاز.

منع الشريف الحسين الحجاج النجديين من أداء فريضة الحج انتقامًا من خسارته في معركة تربة، فعقد الملك عبدالعزيز مؤتمر الرياض في 1342هـ/1924م، برئاسة والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل ومشاركة علماء وزعماء الحاضرة والبادية للتشاور حول أمر منع الحج عنهم، وتقرر أن يمضي النجديون إلى الحج رغم المنع، فأرسل الملك عبدالعزيز جيشًا يضم 15 لواءً إلى الحجاز في عام 1343هـ/1924م، وتمكّنوا من ضم الطائف بعد هزيمة قوات الشريف حسين. 

اتجهت قوات الملك عبدالعزيز إلى مكة المكرمة وكان قد غادرها حينذاك الشريف علي بن الحسين إلى جدة، ودخل أفراد الجيش السعودي إلى مكة المكرمة محرمين مسالمين دون حرب، وانتظروا قدوم الملك عبدالعزيز، الذي خرج من الرياض مع مجموعة من الفرسان وحاشية مؤلّفة من الأمراء والعلماء والوجهاء من الحاضرة والبادية، وانضم إليه في الطريق 15 لواء، وكان يقف يومًا أو يومين في بعض المواقع لاستقبال الوفود من القبائل، فاستغرقت رحلته 25 يومًا، وفي 7 جمادى الأولى 1343هـ/11 نوفمبر 1924م، دخل إلى مكة المكرمة محرمًا لأداء مناسك العمرة، وبقي فيها نحو شهر قبل التوجه إلى جدة. 

في العام ذاته استكمل الملك عبدالعزيز توحيد منطقة الحجاز حيث دخلت الليث والقنفذة في طاعته سلمًا، وحاصرت قواته مدينة جدة عامًا كاملًا بعد أن تحصّن فيها الحسين بن علي وقواته، وفي أثناء ذلك كان يرسل السرايا إلى شمال الحجاز نحو المدينة المنورة وما جاورها من مدن حتى ضمها إلى حكمه، ودخل المدينة المنورة سلمًا مثلما حدث في مكة المكرمة، ثم استسلم الحسين وطلب الصلح، ووُقعت اتفاقية جدة في 1344هـ/1925م، وبذلك وحّد جميع أجزاء الحجاز مع الدولة السعودية، وبُويع ملكًا على الحجاز في يوم الجمعة 23 جمادى الآخرة 1344هـ/7 يناير 1926م، في المسجد الحرام عقب صلاة الجمعة وقرب باب الصفا، ليصبح لقبه "سلطان نجد وملك الحجاز". 

عسير

كانت منطقة عسير جنوب غربي الجزيرة العربية تحت إمارة حسن بن علي آل عائض، وكانت حدود إمارته شمالًا تقترب من حدود الدولة السعودية الحديثة، ولجأ زعماء بعض القبائل هناك إلى الملك عبدالعزيز يتظلمون من حكم آل عائض، فأرسل له الملك عبدالعزيز توجيهًا بشأن ذلك، لكنه رفض مما اضطر الملك عبدالعزيز لإرسال جيش بقيادة الأمير عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي، التقى معه في معركة حجلا عام 1338هـ/1920م، وتمكن من دخول أبها وضمها حتى حدود المخلاف السليماني غربًا، لكن آل عائض انقلب بعد فترة قليلة وهاجم أبها واستولى عليها، وذلك أثناء معارك الملك عبدالعزيز في حائل، وبعد الانتهاء من ضم حائل إلى الحكم السعودي، أرسل الملك عبدالعزيز جيشًا بقيادة ابنه الأمير فيصل (الملك فيصل لاحقًا)، في 1340هـ/1922م، وأعاد عسير إلى الحكم السعودي. 

الملك عبدالعزيز على ظهر حصانه عام 1923م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز على ظهر حصانه عام 1923م. (دارة الملك عبدالعزيز)

جازان وتهامة عسير

استكمل الملك عبدالعزيز حملات التوحيد في منطقة جازان وتهامة عسير جنوب غربي الجزيرة العربية، بعد أن بقيت تلك البلاد تحت حمايته أربعة أعوام بموجب معاهدة مكة المكرمة، التي عُقدت بين الملك المؤسس والحسن الإدريسي في 14 ربيع الآخر 1345هـ/21 أكتوبر 1926م، حيث أرسل الملك المؤسس قواته إليها وتنازل له الحسن عن الحكم  في 1349هـ/1930م، وبذلك تكون جازان آخر مناطق الجزيرة العربية انضمامًا إلى الحكم السعودي.

تأسيس الشكل الحديث للمملكة العربية السعودية

تسمية الدولة ونظام الحكم

أطلق الملك عبدالعزيز على بلاده بعد استكمال توحيد أطرافها اسم المملكة العربية السعودية، وصدر بذلك أمر ملكي في 17 جمادى الأولى 1351هـ/19 سبتمبر 1932م، وحُدد يوم 23 سبتمبر يومًا لإعلان توحيد المملكة واليوم الوطني لها، وسُمي ملكًا على البلاد "ملك المملكة العربية السعودية"، وتأسست بوصفها دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام ودستورها القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها الرياض، وأرسى قواعد الحكم على أسس: الوحدة الوطنية، والعدل، والشورى والمساواة. 

مجلس الوكلاء (مجلس الوزراء)

بدأ تشكيل الحكومة تدريجيًّا بعد ضم الحجاز، حيث تطلع الملك عبدالعزيز إلى إحداث تشكيلات إدارية تتسق مع الدولة الحديثة، فمنذ دخوله إلى مكة المكرمة جمع أعيانها وعلماءها، وطلب منهم انتخاب أعضاء مجلس يكون بمثابة مجلس استشاري يعود إليه قبل أي قرار، فعقد اجتماعًا مع الأهالي لهذا الغرض في 22 جمادى الأولى 1343هـ/19 ديسمبر 1924م، وكوّنوا "المجلس الأهلي"، الذي تطور فيما بعد وأصبح "مجلس الشورى"، وتشكّل أول مجلس من أعضاء متفرغين عام 1346هـ/1927م مقرّه مكة المكرمة، وبقي مهيمنًا على معظم أعمال الدولة التشريعيّة والتنظيميّة وعلى وجه الخصوص في الحجاز، إلى أن تأسس مجلس الوزراء.

كما عيّن الملك عبدالعزيز ابنه الأمير فيصل نائبًا على الحجاز، وشكّل مجلسًا تنفيذيًّا مكوّنًا من رؤساء الدوائر الحكومية، ثم تطور إلى "مجلس الوكلاء" الذي ترأسه النائب العام، وضمّ في عضويته وكيلي الخارجية والمالية، ورئيس الديوان ومعاونه، ونائب رئيس مجلس الشورى، ثم ازداد أعضاء المجلس بعد زيادة عدد الوزارات من ثلاث وزارات عند إعلان توحيد المملكة "الخارجية، والمالية، والداخلية" إلى خمس وزارات هي: الداخلية، والصحة، والمواصلات، والمعارف، إضافة إلى المديرية العامة للحج، والمديريّة العامة للبترول والمعادن، وحلّ محلّه مجلس الوزراء في 1373هـ/1953م. وكان مقررًا أن يفتتح المجلس في 1  ربيع الآخر 1373 هـ/7 ديسمبر 1953م، ولكن وفاة الملك عبدالعزيز بعد شهرين أجلت افتتاحه إلى 2 رجب 1373 هـ/7 مارس 1954م في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، وكان من اختصاصاته رسم سياسة المملكة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية، وإصدار الأنظمة المدنية والعسكرية وإقرار الاتفاقيات الدولية، ووضع نظام للوزارات يحدد صلاحياتها وواجباتها، ويكون بذلك رئيس مجلس الوزراء المسؤول الأول عن جميع الوزارات والدوائر الحكومية.

كما أنشأ جهاز "النيابة العامة" ليكون المرجع العمومي لجميع دوائر الحكومة وأقسام إداراتها، ويكون مديرو الدوائر الحكومية ورؤساؤها المسؤولين أمام النيابة العامة عن سير الأمور الداخلية في دائرة مسؤوليتهم، وتكون النيابة مسؤولة أمام الملك، ويُستثنى من مهام النيابة العامة الشؤون العسكرية، ويكون إشراف النائب العام على الشعبتين الإدارية والقنصلية. 

تحديد إدارة المقاطعات 

أراد الملك عبدالعزيز تقسيمًا إداريًّا لأقاليم الدولة الممتدة الأطراف، إذ كان ذلك متطلبًا أمنيًا، لظروف البيئة وصعوبة المواصلات والتوزيع السكاني، فأقرّ الملك عبدالعزيز تقسيم المنطقة الشمالية من المملكة إلى: مفتشية الحدود الغربية، ومفتشية الحدود الشمالية، وكانت المقاطعات الرئيسية قبل انضمام الحجاز، هي: نجد والقصيم والأحساء ومنطقة عسير وحائل ثم جيزان ونجران وحائل، وكان الملك عبدالعزيز يبعث هيئات تفتيش إلى مختلف المناطق، ويطلع بشكل مباشر على إنجازات الدولة الإدارية مع النائب العام في نهاية كل عام، وعيّن أمراء على المقاطعات بلغ عددهم 64 أميرًا، لكل منهم حرية التصرّف في شؤون إمارته وفقًا لما يراه مناسبًا للعادات والعُرف السائد، ما لم يرد في ذلك تعليمات من الملك، إلى أن صدر نظام الأمراء والمجالس الإدارية في 13 محرم 1359 هـ/22 فبراير 1940م، الذي حدّد صلاحيات ومسؤوليات أمراء المقاطعات والمجالس الإدارية.

ولاية العهد

كان الملك عبدالعزيز يُعيّن ابنه الأكبر الأمير سعود على إدارة شؤون نجد في أوقات خروجه منها، كما كان يُشركه معه في معارك توحيد البلاد، ويسلمه قيادة الجيش في بعض المعارك، وبعد اقتراح من مجلسي الوكلاء والشورى للملك عبدالعزيز بتعيينه على منصب ولي العهد، وهو منصب مستحدث على البلاد وقتها؛ إذ لم تكن ولاية العهد معروفة في عهد الدولتين السعودية الأولى والثانية، أصدر الملك عبدالعزيز مرسومًا ملكيًّا بالموافقة، وبُويع الأمير سعود وليًّا للعهد في 27 محرم 1352هـ/22 مايو 1933م، كما أُسندت إليه قيادة القوات المسلحة في 15 ذي الحجة 1372هـ/24 أغسطس 1953م. 

النائب العام في الحجاز

استحدث الملك عبدالعزيز منصبًا في دولته الحديثة عندما ضم منطقة الحجاز إلى حكمه، اتباعًا للتنظيم الحكومي الذي كان سائدًا في منطقة الحجاز آنذاك، فعيّن ابنه الأمير فيصل رئيسًا لحكومة الحجاز ومرجعًا لدوائرها الرسمية باسم "النائب العام لجلالة الملك"، في 28 جمادى الآخرة 1344هـ/13 يناير 1926م، وكان الأمير قبل ذلك مشاركًا في عدد من السرايا والحملات، كما تولى مسؤولية العديد من المهام السياسية الداخلية.

العلاقات الخارجية للمملكة العربية السعودية

الزيارات الخارجية

زار الملك عبدالعزيز عددًا من الدول الصديقة منذ توليه حكم نجد في مرحلة توحيد المملكة، كانت أولاها زيارة إلى دولة الكويت في محرم 1335هـ/نوفمبر 1916م، للتعزية في وفاة الشيخ مبارك الصباح، وفي العام نفسه ذهب إلى البصرة في دولة العراق لمقابلة المسؤولين البريطانيين، ثم عاد إلى العراق في 23 رمضان 1348هـ/22 فبراير 1930م، للقاء الملك فيصل بن الحسين ملك العراق حينذاك، وفي اليوم التالي اتجه إلى دولة البحرين للقاء الشيخ عيسى بن خليفة أمير البحرين، وبعد عشر سنوات عاد إلى البحرين في 12 ربيع الأول 1358هـ/2 مايو 1939م، والتقى بالشيخ حمد بن عيسى. 

سافر الملك عبدالعزيز إلى دولة مصر في 2 ربيع الأول 1364هـ/14 فبراير 1945م، لمقابلة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على ظهر الطراد الأمريكي "كوينسي" في البحيرات المرة في قناة السويس، وبعد يومين في 4 ربيع الأول/16 فبراير التقى الملك فاروق ملك مصر، والرئيس شكري القوتلي رئيس دولة سوريا في فندق الأوبرج على بحيرة قارون في الفيّوم، وفي اليوم التالي 5 ربيع الأول/ 17 فبراير التقى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ووزير خارجيته إيدن في فندق الأوبرج على بحيرة قارون، وسافر في العام التالي 7 صفر 1365هـ/10 يناير 1946م في زيارة رسمية لمقابلة الملك فاروق.

اتفاقيات تعيين حدود المملكة

واكب توحيد المملكة عددًا من الأحداث العالمية، أبرزها الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية التي أعلن فيها الملك عبدالعزيز التزامه بمبدأ الحياد، واستطاع أن يحافظ على استقلال وسيادة المملكة، كما استطاع عبر استخدام مبدأي "الرضا" و"التنازل المتبادل" من مبادئ القانون الدولي، أن يعقد نحو 20 اتفاقًا للحدود وعلاقات حسن الجوار مع الدول المرتبطة بحدود المملكة، وركزت سياسة الملك عبدالعزيز الخارجية على أهمية بناء العلاقات مع دول الجوار وتثبيت الحدود بينها عبر التسويات العادلة، كانت أولاها الحدود مع دولة الكويت في الشمال الشرقي، إذ حدثت عدة غارات ومواجهات بين أفراد القبائل وخصوم الملك عبدالعزيز في الكويت، وانعقد لذلك مؤتمر العُقير برئاسة المندوب السامي البريطاني في العراق "بيرسي كوكس"، بعد اختياره من قبل السعودية والكويت ليكون حكمًا بينهما، وتوصل المؤتمر إلى اتفاقية تعيين الحدود بين الدولتين، ووقعت اتفاقية بهذا الشأن في 13 ربيع الآخر 1341هـ/2 ديسمبر 1922م. 

وكان ضمن اتفاقية العُقير إنهاء المشاكل الحدودية بين نجد والعراق، وجعل منطقة محايدة بينهما ترعى فيها قبائلهم بحريّة، ومُنع الطرفان من بناء مخافر أو بنايات على طول الحد الفاصل بينهما، ولم يمنع ذلك قيام بعض القبائل بغارات على قبائل وقوافل تجارية تابعة للملك عبدالعزيز، فأرسل إلى حكومة العراق والمندوب السامي البريطاني يطالبهم بوضع حد لها، دعت حينها الحكومة البريطانية إلى مؤتمر في الكويت، ولم يصل الطرفان إلى اتفاق في ذلك المؤتمر، ثم عُقدت اتفاقية بَحرة في 14 ربيع الآخر 1344هـ/31 أكتوبر 1925م، وقعها الملك عبدالعزيز عن بلاده، وجلبرت كلايتون مفوّضًا عن الحكومة البريطانية ونائبًا عن الحكومة العراقية، كما عقدت في اليوم التالي اتفاقية حدَّة لتعيين الحدود بين الأردن والسعودية، ونابت فيها الحكومة البريطانية عن الأردن.

بعد العديد من المعارك مع الحكومة اليمنية آنذاك على الحدود في جنوب الجزيرة العربية، قدِم وفد إلى الحجاز يضم عددًا من ممثلي الدول العربية، وقابلوا الملك عبدالعزيز وعرضوا عليه الصلح فقبل بذلك، وأُمرِت قوات الطرفين بإنهاء القتال في جميع الميادين، وعقدت معاهدة الطائف بين الوفد اليمني والوفد السعودي برئاسة الأمير خالد بن عبدالعزيز في 6 صفر 1353هـ/20 مايو 1934م. 

ونظرًا لكون المملكة دولة شاطئية يقع على طرفيها الشرقي والغربي شاطئان، هما: الخليج العربي والبحر الأحمر، فإنه يسري عليها القانون الدولي الخاص بتحديد مدى امتداد البحار الإقليمية، وهو ما تُصدر بشأنه كل دولة تشريعات خاصة بها وبطريقة انفرادية، إذ لا يوجد قانون موحّد يحدد امتداد البحار الإقليمية لأي دولة، وأصدر الملك عبدالعزيز لذلك مرسومًا ملكيًّا في 1 شعبان 1368هـ/28 مايو 1949م، يقضي باعتماد امتداد المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية بـ12 ميلًا بحريًّا، وامتداد المنطقة الملاصقة بستة أميال بحرية، وهذا يعني امتداد سيادة المملكة على كامل بحرها الإقليمي بما في ذلك الحيّز الجوي الذي يعلوه، وقاع البحر وباطن أرضه. 

الملك عبدالعزيز مع رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في الفيوم بمصر 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز مع رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في الفيوم بمصر 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1945م. (دارة الملك عبدالعزيز)

معاهدات الصداقة الدولية

بريطانيا: معاهدة دارين 18 صفر 1334هـ/26 ديسمبر 1915م.

ألمانيا: 16 ذو القعدة 1347هـ/26 أبريل 1929م.

تركيا: 27 صفر 1348هـ/3 أغسطس 1929م.

إيران: 18 ربيع الأول 1348هـ/24 أغسطس 1929م.

العراق: 20 ذو القعدة 1349هـ/7 أبريل 1931م.

إيطاليا: 3 شوال 1350 هـ/10 فبراير 1932م.

الأردن: 5 ربيع الآخر 1352 هـ/27 يوليو 1933م.

أفغانستان: 1 ذو الحجة 1352 هـ/17 مارس 1934م.

باكستان: 25 صفر 1371هـ/25 نوفمبر 1951م.

الصين: 22 ذو الحجة 1365هـ/15 نوفمبر 1946م.

فرنسا: 29 جمادى الآخرة 1350 هـ/10 نوفمبر 1931م.

الكويت: 4 ربيع الآخر 1361 هـ/20 أبريل 1942م.

مصر: 16 صفر 1355 هـ/7 مايو 1936م.

اليمن: 5 شعبان 1350هـ/16 ديسمبر 1931م.

إنشاء وزارة الخارجية

كان الملك عبدالعزيز قبل ضم إقليم الحجاز يدير الشؤون الخارجية بنفسه، حيث يراسل الحكومات ويتلقى أجوبتها، أو يشرف على المراسلات الخارجية مستعينًا ببعض رجاله من أهل الخبرة والمران في ممارسة هذه الشؤون، إذ كانت السلطنة النجدية آنذاك قليلة الاتصال بالعالم الخارجي، ولا تربطها علاقات تواصل إلا بما جاورها من الدول ذوات المصالح. 

بعد ضم الحجاز إلى حكمه في ربيع الأول 1344هـ/1926م، شرع الملك المؤسس في تأسيس العلاقات الدولية مع الدول الأجنبية وفقًا للقوانين الدولية المتعارف عليها آنذاك، وعلى إثر هذا تأسست مديرية الشؤون الخارجية وعُيّن عبدالله الدملوجي مديرًا لها، واستمرت أعمالها حتى صدر أمر ملكي في رجب 1349هـ/ديسمبر 1930م بتحويلها إلى وزارة، وتعيين الأمير فيصل الابن الثاني للملك المؤسس وزيرًا لها، وفؤاد حمزة وكيلًا لها وقائمًا بأعمالها، وبذلك تكون أول وزارة تستحدث بصفة رسمية في حكومة المملكة. 

أصول السياسة الداخلية للملك عبدالعزيز

عزز اختيار شعار المملكة السيفين والنخلة وعلمها الأخضر عام 1351هـ/1932م، المشاعر الإيجابية التي غذتها الحاجة إلى الاستقرار لدى السكان، وقاد الملك عبدالعزيز بشجاعته وحكمته وشعوره بالمسؤولية العديد من الأعمال والمشاريع التي جاء في بدايتها توطين القبائل، ونشر التعليم، إلى جانب العناية بالحرمين الشريفين وإجراء ما يلزم من أعمال لخدمة الحجاج والمعتمرين وأرسى الأمن في طرق الحج، كما اعتنى بالمشاعر المقدسة، وأمر بإنشاء الطريق بين جدة ومكة المكرمة وتوسعة الحرمين الشريفين وإيصال المياه العذبة إليهما.

الوحدة الوطنية وتوطين البادية

كانت الوحدة الوطنية من الإنجازات الاجتماعية العظيمة التي حرِص الملك عبدالعزيز على تحقيقها، وكان ضمن مشروع الوحدة الوطنية مشروع التوطين وإنشاء الهجر، والذي نتج عنه استقرار عدد كبير من القبائل والبدو الرحل، ومشاركتهم في الحياة الاجتماعية وإسهامهم مع إخوانهم في البلدان والتجمعات الحضرية في توحيد المملكة وبنائها، حيث صمم الملك عبدالعزيز سياسة واضحة لتحقيق هذا المشروع، بدأت بتعيين الأماكن التي فيها آبار للمياه الصالحة للاستقرار وتخصيصها للقبائل، ومساعدتهم في بناء المساجد والبيوت، وإرسال طلبة العلم والمرشدين لتعليم أبناء القبائل في هجرهم القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ونتيجة لذلك أصبحت الهجر حواضر تعج بالحركة والنشاط، خاصة في المجال الزراعي، إذ توجه سكانها إلى الزراعة والاستقرار، وانتشرت التجمعات السكانية الحديثة في أنحاء المملكة، وفي أماكن كانت تخلو من السكان المستقرين، ويُقدر عدد الهجر التي أسسها الملك عبدالعزيز بنحو 200 هجرة، والتي اتسعت لاحقًا وأصبحت مدنًا صغيرة تضم جميع الخدمات الحضارية. 

تنظيم شؤون القضاء

منذ دخول الملك عبدالعزيز مدينة الرياض وتأسيس دولته الحديثة، أولى اهتمامه بتطبيق العدالة والمساواة في جميع المناطق الواقعة تحت حكمه، وذلك عبر تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ففي نجد وملحقاتها جعل القضاء موكلًا إلى قضاة مستقلين في المدن الرئيسة، أي أن يكون في كل مدينة قاض ينظر في جميع القضايا وعموم الأحداث التي تقع في مدينته وما جاورها من القرى، ثم وضع الملك عبدالعزيز اللبنة الأولى في تأسيس القضاء السعودي، وأنشأ رئاسة قُضاة واحدة في الحجاز بمكة المكرمة بتاريخ 24 رجب 1344 هـ/7 فبراير 1926م، تكون مهمتها الإشراف على قضاء محاكم الحجاز وما يتبعها. 

وفي إقليم الحجاز أصدر مرسومًا ملكيًّا بتأسيس المحاكم في 21 صفر 1346هـ/20 أغسطس 1927م، وتكون المحاكم على ثلاث درجات، هي: محاكم الأمور المستعجلة "المحاكم الجزئية"، ومحاكم كبرى ومحاكم ملحقات، وتعد محاكمَ عامة، وهيئة المراقبة القضائية، وإلى جانب هذه المحاكم يوجد المجلس التجاري، وهو بمثابة المحكمة المتخصصة حيث يختص بالنظر في القضايا التجارية. 

اهتمام الملك عبدالعزيز بالتعليم

اهتم الملك عبدالعزيز بالناحية العلميّة منذ بدء مسيرته لتوحيد المملكة، فكان يقدّر العلماء ولا يخلو مجلسه في كثير من الأحيان منهم حضرًا أو سفرًا، بل كان يصحب بعضًا منهم في تحرّكاته العسكرية، ومن مظاهر اهتمامه بالعلم إشرافه بنفسه على تطوير التعليم، وجعله مجانًا للجميع، وتخصيص مكافآت مجزية لطلبة بعض المدارس والمعاهد وطلاب الكليات، كانت الخطوة الأولى في 1344هـ/1925م تأسيس "مديرية المعارف العامة" لتكون الجهة التنظيمية لتطوير التعليم والتوسّع في مجالاته، ونتيجة لذلك تأسست المدارس الحكومية في معظم أنحاء البلاد، وفي العام التالي 1345هـ/1926م افتُتح المعهد العلمي السعودي بهدف تخريج معلمين مؤهلين لتدريس المرحلتين الابتدائية والأولية.

كان الملك عبدالعزيز مهتمًّا بتطور أبناء شعبه، وتعليمهم مختلف العلوم حول العالم، ومؤمنًا باستعدادهم لتلقي العلوم والمعارف، فجاءت فكرة الابتعاث الخارجي في عام 1346هـ/1927م، حيث أرسلت أولى البعثات للدراسة في مصر، وبعد 8 أعوام خصصت لها مدرسة تحضير البعثات عام 1354هـ/1935م، انتشرت بعد ذلك المدارس انتشارًا واسعًا، وافتُتحت مدارس متخصصة منها دار التوحيد في الطائف 1364هـ/1945م، وهي تختص بتدريس علوم الدين وفروعه واللغة العربية، ثم افتتح المعهد العلمي في الرياض، ومدارس أخرى ذات اختصاصات علمية وعسكرية، ثم وُضعت نواة التعليم الجامعي في المملكة بإنشاء كلية الشريعة في مكة المكرمة عام 1369هـ/1950م، ثم كلية الشريعة في الرياض عام 1373هـ/1954م. 

الاهتمام بالصحة في عهد الملك عبدالعزيز

اعتنى الملك عبدالعزيز بالصحة وأسس المستوصفات والمراكز الصحية في أنحاء المملكة، وفي عام 1344هـ/1925م، أنشئت "مصلحة الصحة العامة"، وكانت تختص بالإشراف على تنظيم الشؤون الصحية في داخل البلاد وتطويرها، كما أنشئت في عهده العديد من المرافق الطبية في مناطق المملكة، وتكونت فرق طبيّة تجوب أنحاء البلاد لتقديم العلاج والرعاية الصحية للسكان في القرى والبادية. 

ولم تقتصر عناية الملك المؤسس على المنشآت الطبية فحسب، بل توسعت إلى التعاون مع المنظمات والهيئات العالمية، للاستفادة من خبراتها، خاصة في مجال الوقاية من الأوبئة، وفي عام 1370هـ/1951م حُوّلت مصلحة الصحة العامة إلى وزارة الصحة، وعُيّن الأمير عبدالله الفيصل وزيرًا للصحة والداخلية معًا، وتطورت الرعاية الصحية وزُودت بمعدات وأجهزة حديثة ومتقدمة. 

رعاية شؤون الحرمين الشريفين

منذ دخول الملك عبدالعزيز إلى الحجاز أعلن البدء في ترميمات الحرمين الشريفين، وأصدر أمرًا في عام 1344هـ/1925م بترميم المسجد الحرام ترميمًا كاملًا، وإصلاح كل ما يلزم، وترخيم عموم المسجد، وفي سنة 1345هـ/1926م ازداد عدد الحجاج، فأمر بوضع السرادقات في صحن المسجد، لتحمي المصلين من حرارة الشمس، وفي سنة 1346هـ/1927م أمر بإصلاح آخر للمسجد الحرام، وشمل الترميم والطلاء، كما أصلح مظلة إبراهيم، وقبة زمزم، وشاذروان الكعبة، بقيمة بلغت نحو 2000 جنيه ذهبًا، وفي العام نفسه أمر بعمل مظلات على حاشية صحن المطاف، وصُنعت من الخشب الجاوي المغطى بقماش أبيض ثخين، وصنعت لاحقًا مظلات ثابتة في أطراف الصحن مثبتة بالأروقة، تُفرد وتلف عند الحاجة، وبقيت سنوات عديدة تُجدد باستمرار، كما أمر بتأسيس مصنع خاص بكسوة الكعبة المشرفة. 

وفي الفترة ما بين 1345 - 1346هـ/1926-1927م، أمر بتبليط المسعى بالحجر الصوان المربع، وهي أول مرة في تاريخ المسجد الحرام يُرصف فيها الطريق، وأمر بتجديد السبيل القديم لماء زمزم وعمل سبيلين جديدين، وفي سنة 1354هـ/1935م أمر بإصلاح الحجر المفروش على مدار المطاف، وإصلاح أرض الأروقة، وترميم وترخيم عموم المسجد، وفي 1366هـ/1947م أمر بتجديد سقف المسعى، كما أمر بعمل باب جديد للكعبة مغطى بصفائح من الفضة الخالصة، وفي عام 1370هـ/1951م أمر بترخيم الواجهات المطلة على المسجد الحرام وساحاته ترخيمًا كاملاً.

زار الملك عبدالعزيز المدينة المنورة في شعبان عام 1345هـ/1926م، واطلع على ما يحتاجه المسجد النبوي من تنظيمات إدارية وإصلاحات معمارية، وكان أول الأعمال في عام 1348هـ/1929م، وهو إصلاح آثار التلف التي ظهرت في هبوط أرض الأروقة المطلة على صحن المسجد من الجهات الأربع، بسبب تجمع مياه الأمطار في صحن المسجد، وفي عام 1350هـ/1931م أمر بإصلاح الخلل في بعض الأعمدة والسواري الشرقية والغربية والصحن، عبر وضع أطواق من الحديد على التالف منها.

 وأعلن الملك عبدالعزيز في 12 شعبان 1368هـ/8 يونيو 1949م عن عزمه على توسعة المسجد النبوي، وأجريت الدراسات اللازمة لتنفيذ المشروع وبدأت الأعمال التمهيدية في 5 شوال 1370هـ/1951م وجُهزت المنطقة المحيطة بالمسجد من الجهات الثلاث الشرقية والغربية والشمالية، وأزيل جزء من البناء القديم، وأضيفت إليه مساحة جديدة، وأصبحت مساحة المسجد النبوي بعد هذه التوسعة 16548 م2، وفي 13 ربيع الأول عام 1372هـ/1 ديسمبر 1952م  وضع ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز حجر الأساس للعمارة والتوسعة نيابة عن والده الملك عبدالعزيز وبدأ العمل في حفر الأساسات ثم البناء والتشييد، واكتملت التوسعة لاحقًا في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز.

التنظيم الاقتصادي في عهد الملك عبدالعزيز

اعتمد الملك عبدالعزيز في التنظيم المالي للبلاد على الزكاة كمصدر رئيس للدخل، إضافةً إلى الاعتماد على الثروة الحيوانية في المنطقة، وحصاد الزراعة في عدد من مدن وواحات المملكة، ووسع مداخيل البلاد في مرحلة أخرى عبر جمارك البضائع الواردة إلى الموانئ الشرقية والغربية، قبل أن يكتشف النفط في المنطقة، وتشهد الحالة الاقتصادية نقطة تحول استثنائية دفعت البلاد للتقدم السريع نحو التطور والنمو.

الإيرادات الأولية للدولة

خلال مراحل توحيد المملكة كانت تتجه موارد الدولة إلى خزينة الملك عبدالعزيز والذي ينفقها على متطلبات دولته بالأساليب ذاتها التي كانت تُتبع في الدولتين السعودية الأولى والثانية، وكانت تلك الموارد محصورة فيما يتم جمعه من زكوات البادية من الإبل والغنم، وزكوات الحاضرة من التمور والحبوب، أو ما يُغنم من المعارك والغارات على القبائل المُعارضة، وبعد دخول الأحساء والقطيف تحسنت الأوضاع المالية للدولة نظرًا لثراء المنطقة زراعيًا، ووجود مصدر آخر من مصادر الدخل وهو جمارك البضائع الواردة إلى موانئها، وبعد اكتمال دخول الحجاز في الحكم السعودي انتهى واحد من المصادر وهو غنائم المعارك، وحلّ محله دخل الحج إلى جانب زكوات المنطقة وجمارك البضائع. 

نشأة وزارة المالية

كانت الخطوة الأولى نحو التنظيم المالي في الحجاز، عندما ألّف الملك عبدالعزيز لجنة في مكة المكرمة لدراسة الأوضاع المالية في 1344هـ/1925م، وبعد ذلك بعامين أنشئت "مديرية المالية" ومقرها مكة المكرمة، وأما مالية جدة فبقيت على حالها السابق، وسُمي متوليها "أمين الأموال"، ثم توحدت الدوائر المالية في مكة وجدة تحت إدارة عامة باسم "وكالة المالية العامة"، وعُيّن عبدالله بن سليمان الحمدان وكيلًا لها، وفي 11 ربيع الآخر 1351هـ/14 أغسطس 1932م، تحوّلت الوكالة إلى وزارة، وأصبح عبدالله بن سليمان وزيرًا لها، ووُضع للوزارة نظام جديد ينص على أنها الجهة التي تنظم وتحفظ أموال الدولة، وتدير وارداتها ومصروفاتها. 

اتسعت صلاحيات وزارة المالية وتعددت مسؤولياتها، ورُبطت بها جميع إدارات المالية في المملكة، وارتبطت بها إدارات مختلفة، منها: الحج، والدفاع، والزراعة، والأشغال العامة، والطرق، والسيارات، والتعدين، ثم فُصلت عنها لاحقًا، وكانت هناك محاولة أولى لعمل ميزانية للمملكة في عام 1348هـ/1929م وبعد خمس سنوات تقررت أول ميزانية، حيث فُصّلت فيها الواردات وبلغت 14 مليون ريال، وفي عام 1367هـ/1948م ازدادت الميزانية وتجاوزت 200 مليون ريال. 

تطوّر النظام النقدي في المملكة

شهدت المملكة العربية السعودية قبل توحيدها وجود العديد من العملات النقدية، منها ما هو بريطاني أو هندي "الروبية الهندية"، ومنها الريال النمساوي "الفرانسي"، فجاء إصدار العملات النقدية السعودية تدريجيًّا، حيث دُمغت في بادئ الأمر بكلمة "نجد" و"الحجاز"، وفي 1343هـ/1925م، أصدر الملك عبدالعزيز أمرًا بسَكِّ أول عملة معدنية، وكانت من فئة نصف القرش، وربع القرش، وتعد أول نقد سعودي خالص. 

صدر أول تنظيم للوضع النقدي في 13 ربيع الآخر 1346هـ/8 أكتوبر 1928م، باسم "نظام النقد الحجازي النجدي"، وألزم النظام بالتعامل بالريال العربي السعودي، الذي جرى سكّه من الفضة في العام نفسه بجميع الفئات، وفي 25 رجب 1371هـ/20 أبريل 1952م، أصدر الملك عبدالعزيز مرسومًا ملكيًّا بتأسيس مؤسسة النقد العربي السعودي، ومقرها مدينة جدة، واختصت بتنظيم إصدار النقد السعودي وتوطيد قيمته المالية داخل البلاد وخارجها. 

اكتشاف النفط في المملكة

أحد معامل تكرير البترول في السعودية. (دارة الملك عبدالعزيز)
أحد معامل تكرير البترول في السعودية. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز خلال تفقده بئر الدمام رقم 7. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز خلال تفقده بئر الدمام رقم 7. (دارة الملك عبدالعزيز)

بعد اكتشاف النفط بكميات كبيرة في العالم، اهتم الملك عبدالعزيز بالتنقيب عن النفط والمعادن في أراضي المملكة، ففي عام 1342هـ/1923م، منح الملك عبدالعزيز امتياز النفط لشركة بريطانية هي شركة "سنديكيت الشرقية الإنجليزية"، إلا أن الشركة لم تتمكن من تحقيق نتائج من عمليات التنقيب، فأنهى الملك عبدالعزيز اتفاقية الامتياز عام 1347هـ/1928م، وكلّف فيما بعد الجيولوجي "تويتشل" بدراسة إمكانية وجود معادن في البلاد، بعد اكتشاف النفط بكميات تجارية في جبل الدخان بالبحرين عام 1351هـ/1932م، ولا سيما أن المنطقة الشرقية تقارب التكوين الجيولوجي للبحرين.

أُبرمت اتفاقية الامتياز بين المملكة وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا "سوكال"، وأنشئت شركة تابعة لها سُميت "كاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل كومباني" (كاسوك) لإدارة هذه الاتفاقية، وبدأت أعمال حفر الآبار في عام 1354هـ/1935م، وشهد العام 1357هـ/1938م نجاح جهود التنقيب واكتشاف النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 التي أطلق عليها اسم "بئر الخير"، وتغيّر مسمى الشركة إلى أرامكو "شركة الزيت العربية الأمريكية"، وبلغ إنتاج النفط الخام 500 ألف برميل في اليوم في عام 1368هـ/1949م.

أنجزت الشركة خط الأنابيب لنقل النفط "التابلاين" الذي يبلغ طوله 1,212 كم، ربط خط التابلاين المنطقة الشرقية في المملكة بالبحر الأبيض المتوسط مما سهّل تصدير النفط إلى أوروبا، وبعد عامين من التنقيب في مياه الخليج العربي، اكتشف حقل السفانيّة في عام1370هـ/1951م، والذي يعد أكبر حقل نفط بحري على مستوى العالم.

تكوين القطاع العسكري في المملكة العربية السعودية

بذل الملك عبدالعزيز جهودًا استثنائية في إرساء الأمن، وترسيخ الاستقرار، فاستحدث تنظيمات أمنية هي الأولى من نوعها في البلاد، ودفعته مسؤوليته عن أمن الحجاج إلى مضاعفة جهوده في المجال الأمني، فأسس قوى المشاة، وشرطة حماية الأخلاق، والآليات والخيالة، وجنود المرور، وأنشأ مدرسة للشرطة بهدف تأهيل الضباط ومساعديهم، واستقدم متخصصين أمنيين لتطوير الأجهزة والارتقاء بأدائها.

الأمن الداخلي

كانت بلاد الجزيرة العربية قبل توحيد المملكة تعاني من اضطراب الأمن، ولما بدأ الملك عبدالعزيز بضم مناطق البلاد حرِص على سنّ تنظيمات جديدة لإرساء الأمن الداخلي، منها مشروع توطين البادية وإنشاء الهجَر، والذي نتج عنه استقرار عدد كبير من القبائل الرحّل، ولما توحّدت منطقة الحجاز ازداد اهتمام الملك عبدالعزيز بتحقيق الأمن، خاصة أمن حجاج بيت الله، فأمر بتنظيم الشرطة بإنشاء المديرية العامة للشرطة في 29 محرم 1344هـ/2 أغسطس 1925م، ومقرها مكة المكرمة. ولحرصه على سلامة حجاج بيت الله المسافرين برًّا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة أمر بإنشاء أول جهاز لأمن الطرق في 1345هـ/1926م، وكان من مهامه إخطار الحجاج بمخاطر الطريق، وإقامة دوريات أمنية من الهجّانة والسيارات تقطع طريق مكة المكرمة - المدينة المنورة بأكمله في كل يوم.

وأنشئت لاحقًا إدارات أخرى للشرطة في مناطق متعددة من المملكة، بعضها ذات اختصاصات محددة، مثل: شرطة الحرم، وشرطة سكة الحديد، وفي عام 1349هـ/1930م جُعلت تحت رئاسة مدير الأمن العام، وأصبحت قوات الشرطة تشمل قوى المشاة، وجنود المرور، والخيّالة والآليات، وشرطة حماية الأخلاق، وأنشئت عام 1354هـ/1935م مدرسة للشرطة في مكة المكرمة، بهدف تخريج ضبّاط ومساعدي ضبّاط للمساهمة في إدارة الأمن، وفي عام 1363هـ/1944م تحولت مديرية الشرطة العامة إلى مديرية عامة للأمن، واستُحدث في 29 ربيع الأول 1369هـ/1950م نظام للشرطة يتضمن تشكيلات جديدة في إداراته المختلفة.

القوات المسلحة في عهد الملك عبدالعزيز

كانت قوات الملك عبدالعزيز أثناء عمليات توحيد البلاد تتكون من أتباعه المخلصين وهم رجال البادية "جيش الإخوان"، ورجال الحاضرة "جيش الجهاد"، فكان يدعوهم إلى الحرب ويجتمعون تحت رايته، معتمدين على إمكانياتهم في التسليح والتموين، وشكل الجيشان أول بداية لتكوين ما أطلق عليه حينها الجيش العربي السعودي، وهي أول قوة عسكرية نظامية في السعودية، ثم في عام 1348هـ/1929م رأى الملك المؤسس أهمية تطوير قواته تنظيمًا وتسليحًا، فأمر بتشكيل أول نواة لوحدات الجيش السعودي النظامي من ثلاثة قطاعات، هي: أفواج المشاة، والمدفعية، والرشاشات. 

وانطلاقًا من حرِص الملك المؤسس على تأسيس قوة جوية تحمي سماء المملكة، أصدر أمرًا ملكيًّا في 23 جمادى الآخرة 1344هـ/8 يناير 1926م، بتأسيس قوة طيران باسم " قوة الطيران الحجازية النجدية "، ثم أصدر قرارًا في 29 رجب 1348هـ/30 ديسمبر 1929م، بشراء أربع طائرات بريطانية الصنع من طراز "ويستلاند وابتي مارك/ 2" ذات الجناحين، وكانت من أحدث الطائرات المستخدمة آنذاك، وأعد لها أول مطار في جزيرة دارين بالمنطقة الشرقية، وتطوّرت منظومة القوات الجوية بإنشاء مدرسة للطيران، وإيفاد بعثات إلى الخارج لتلقي علوم الطيران. 

وأمر الملك المؤسس بإنشاء المدرسة العسكرية في 5 جمادى الأولى 1353هـ/15 سبتمبر 1934م، ثم أنشئت رئاسة الأركان في 1358هـ/1939م وتوحّد الزي العسكري، ثم تحولت إلى وزارة الدفاع في 5 ذي القعدة 1362هـ/10 نوفمبر 1943م، وتغيّر اسم وزارة الدفاع في 7 رجب 1371هـ/1 أبريل 1952م، وأصبح اسمها وزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة، وضمت تحت لوائها الطيران الحربي والطيران المدني.

التأسيس التنموي في عهد الملك عبدالعزيز

المواصلات

أولى الملك المؤسس اهتمامًا بوسائل المواصلات، وأدخل السيارات إلى المملكة لاستخدامه الخاص وللجهات الرسمية في الدولة، ونقل البضائع والمسافرين والحجاج، وبدأت الحكومة بتمهيد الطرق بين مناطق المملكة، كما أنشئت أول سكة حديد بين الدمام والرياض في 1371هـ/1952م، ثم بدأ الاهتمام بالمواصلات الجوية واتجهت الحكومة لشراء أربع طائرات مدنية، ثم تضاعفت أعدادها فيما بعد في فترة وجيزة، وأنشئت "إدارة طائرات الخطوط الجوية السعودية"، وكان أول مطار مدني آنذاك مطار جدة، كما اهتمت حكومة الملك عبدالعزيز بالمواصلات البحرية وكوّنت أول أسطول نقل بحري، كما عمدت إلى تحسين الموانئ البحرية في غرب المملكة وشرقها، وإلى إنشاء موانئ جديدة، منها: ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر، وميناء الدمام على الخليج العربي. 

الاتصالات

في مجال الاتصالات برزت جهود حكومة الملك عبدالعزيز في انضمام المملكة إلى اتحاد البريد الدولي، وعقد اتفاقيات مع العديد من الدول للاتصال بها هاتفيًّا وبرقيًّا وبريديًّا، وإنشاء شبكة هاتفية تربط أنحاء المملكة، وإيفاد أعداد من الطلبة إلى الخارج لتعلّم ما يتصل بتلك الأمور فنيًّا وإداريًّا، وتأسيس مدارس اللاسلكي للتعليم والتدريب في مكة المكرمة والرياض.

المياه والزراعة

حرص الملك عبدالعزيز على توفر المياه وتطوير الزراعة في المملكة، فكانت أولى المحاولات هي جلب متخصصين للبحث عن مصادر المياه في 1350هـ/1931م، كما استقدم أول بعثة فنية لتطوير الزراعة في 1353هـ/1934م، ثم توالت الدراسات والبعثات حتى تقرر إنشاء مديرية الزراعة عام 1367هـ/1948م، وافتُتحت لها فروع في مناطق المملكة، وكان من أعمالها تركيب آلتين كبيرتين لتقطير المياه في جدة عام 1345هـ/1926م، وإنشاء عين الوزيرية عام 1352هـ/1933م، ثم العين العزيزية عام 1366هـ/1947م، كما أنشأ الملك المؤسس لجنة لتطوير عين الزرقاء في المدينة المنورة، وهيئة عين زبيدة عام 1353هـ/1934م. 

كما اتجهت حكومة الملك عبدالعزيز إلى إصلاح السدود المائية، وحفر آبار ارتوازية، وإعفاء المعدات الزراعية من الرسوم الجمركية، واستيراد الآلات والمعدات لدعم المزارعين، وتقديم مساعدات لصغار المزارعين وإنشاء مصارف لإقراضهم، إلى جانب تعليم المزارعين طرق الزراعة الحديثة وحماية المحاصيل من الآفات، وإقامة مشروع الخرج الزراعي، واستصلاح الأراضي، وزراعة محصولات جديدة، وإنشاء ورش ميكانيكية لإصلاح مضخات المياه والآلات الزراعية. 

الإذاعة السعودية

انطلقت الإذاعة السعودية منذ عهد الملك المؤسس، حيث حرِص على أن تكون بلاده الحديثة مواكبة للتطور الحضاري العالمي، وفي يوم الثلاثاء 23 رمضان 1368هـ/19 يوليو 1949م، صدر مرسوم ملكي وضع فيه الملك عبدالعزيز الإطار العام للإذاعة السعودية، حيث أكدّ فيه على ضرورة التزام الصدق والأمانة، والواقعيّة، والالتزام بالموضوعية في جميع ما يُنقل منها، والالتزام الأخلاقي بحيث لا يُشتم أحد ولا يتم التعريض به، أو لا يُبالغ بالمدح في غير محله، كما أكد ضرورة الاهتمام بالأمور الدينية وإذاعة القرآن الكريم والمواعظ الدينية.

أنشئت أول محطة إذاعية سعودية في مدينة جدة، وبدأ إرسالها في 9 ذي الحجة 1368هـ/1 أكتوبر 1949م، وهو يوم عرفة، وافتُتحت بكلمة ألقاها الأمير فيصل نيابة عن والده الملك المؤسس، تضمّنت تهنئة الحجاج والترحيب بقدومهم في الأراضي المقدسة، وكان البث بعد توقيع عقد مع شركة من خارج المملكة يتم بموجبه إنشاء "محطة جدة"، وإنشاء استوديوهات إضافية في مكة المكرمة، ووُقع العقد بين حكومة المملكة والشركة في مقر السفارة السعودية في القاهرة يوم الأربعاء 13 رجب 1368هـ/11 مايو 1949م.

الملك عبدالعزيز في ساحة قصر الحكم خلال احتفال عيد الفطر عام 1354هـ/1935م. (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز في ساحة قصر الحكم خلال احتفال عيد الفطر عام 1354هـ/1935م. (دارة الملك عبدالعزيز)

أخلاق وإنسانية الملك عبدالعزيز

الالتزام بالدين

لم يكن الملك عبدالعزيز آل سعود مؤسس دولة فحسب، بل كان امتدادًا للدولتين السعوديتين الأولى والثانية اللتين تمثلان أيضًا امتدادًا للدولة الإسلامية المؤسسة في الجزيرة العربية على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لنشر الدين، وإرساء الأمن، فأعاد الملك عبدالعزيز دعائم الاستقرار الذي تلاشى في زمن الدويلات، وعمَّ به القسم الأكبر من الجزيرة العربية، على أسس وطنية خالية من المؤثرات الأيديولوجية بعد الفوضى التي عمّت المنطقة قبل ذلك.

التعامل مع خصومه

كان الملك عبدالعزيز معروفًا بجمعه بين صفات الحزم والعفو، فكان يعفو ويصفح عن ألدّ خصومه وفي أشد الظروف، ويراعي من جار عليهم الدهر من الوجهاء والأمراء، وكان يحفظ هيبتهم ومكانتهم بين الناس، كما كان له نهج خاص في التعامل مع خصومه بعد العفو عنهم حيث يقربهم منه، فيتأثرون بأسلوبه وتعامله الحسن، ليصبحوا من أخلص رجالاته، حتى أصبح المحرضون عليه فيما بعد من المؤيدين له. 

اهتمامه بالعائلة والأبناء

كان الملك عبدالعزيز حريصًا على الاهتمام بالأسرة، وعلى حضورهم جميعًا في وجبة الغداء يوميًا، ويشاركهم في بعض الأحيان بناته وأبناؤه المتزوجون، كما كان الجميع يتناولون العشاء معه بعد المغرب، وكان ولي عهده الأمير سعود يشارك أحيانًا في العشاء مع والده، لأنه كان يقيم العشاء للناس ببيته، وكذلك الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز إذا حضر إلى الرياض، ولم تكن تربية الملك عبدالعزيز لأبنائه تربية ترف، وكان يخصص اجتماعًا سنويًّا لأسرته رجالاً ونساء، ليقدم لهم النصح، ويُذكرهم بالأساس الذي تقوم عليه البلاد، وهو كتاب الله والسنة النبوية ويحثهم على الالتزام به والمحافظة عليه، كما كان يوجههم بحسن معاملة الناس، والاهتمام بالفقراء والمحتاجين، وحفظ حقوق الناس وإبراء الذمة.

ويذكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عن طفولته بأن والده كان يتابعهم دائمًا في جميع الأمور ولاسيما الصلاة والدراسة، إذ كانوا يصلون جميع الصلوات معه، وقد خصص غرفة خاصة في قصر المربع يحجز فيها كل من يتخلف عن الصلاة معه، وكان يكلف سعود بن مسلم وعبدالله بن مبارك، وعبدالرحمن بن مسلم بإيقاظ أبنائه ومتابعة أداء صلواتهم، وكان يهابه الأبناء من هيبة الوالد لعلمهم بما يتلقونه من أوامر صارمة للمتابعة.

كما اهتم الملك عبدالعزيز بتعليم أبناء أسرته وأبناء شعبه، وكان يُكلف المشايخ والمدرسين بتدريسهم، منهم: المعلم محمد بن عبدالله السناري، ثم خصص مدرسة لأبنائه في القصر وعيّن لها مدرسين، منهم: الأستاذ أحمد العربي في بداية إنشاء مدرسة الأمراء، والشيخ عبدالله خياط مدير المدرسة، وأحمد بن علي الكاظمي، وصالح خزامي، وعبدالحميد الكاظمي، ولحرصه على متابعة أبنائه في الدراسة كان يكلف محمد بن مسلم بالوقوف أمام المدرسة ليتفقّدهم عند الدخول، وإبلاغ الوالد بمن يتغيب منهم أو يتأخر عن الحضور، وكان يزور مدرسة أبنائه باستمرار للتعرّف على أدائهم الدراسي وأداء معلميهم، ويحرص على حضور حفل ختم القرآن لأبنائه الذي يقام في بيته أو في غار المعذر، وحفل توزيع الشهادات في نهاية العام، أو يرسل أحد أبنائه الكبار نيابة عنه، وتذكر المصادر نقلًا عن الملك فيصل أن الملك عبدالعزيز كان في أسلوبه التربوي يجمع بين الشدة والرحمة، ولا يفرق بين أبنائه وأبناء شعبه، فالجميع سواء عنده، كما كان لا يحب التكلّف في الحديث، ويمازح أبناءه وجلساءه.

العدل والإنصاف

عُرف الملك عبدالعزيز بأنه حاكم عادل ومنصف، حيث حرص على تطبيق العدل في جميع الأمور لأنه من جوانب الدين الإسلامي وأساس الحكم، فكان لا يقبل الظلم أبدًا، وعُرفت عنه الكثير من القصص التي تدل على عدله وإنسانيته، إذ تذكر المصادر أنه كان يراقب قافلة أناخت بالقرب من مخيمه في العقير، وكان بها جمل تظهر عليه آثار التعب، فأرسل في طلب صاحبه، وأبلغه أن يُطلق الجمل لكي يرعى أي يأكل مما تُنبته الأرض، ولا يعيده إلى القافلة رأفة به، وفي موقف إنساني آخر وقف بنفسه محاميًا عن المحتاج حيث جاءته امرأة مسنة من أهل مكة المكرمة عند باب قصره، وشكت إليه أمرًا في قضية ميراث لها، وأنه لا يوجد لديها من يدافع عن قضيتها، فأخذ ما بيد المرأة من أوراق وتكفل بمتابعة قضيتها شخصيًا مع المحكمة حتى انتهت.

ومن المواقف الإنسانية حرصه على مصالح المواطنين وحاجتهم والدفاع عنها، وإبراء ذمته، فعندما تضرر الاقتصاد السعودي في بعض السنوات وشحّت الموارد المالية، أصبح من الصعب دفع مرتبات الموظفين؛ بسبب الحالة الاقتصادية الضعيفة، فطلب من مستشاريه عبدالله السليمان (وزير المالية)، وحافظ وهبة، اقتراح حل لهذه المشكلة، فأشاروا عليه أن يُسرّح نصف الموظفين لكي تتمكن الدولة من دفع مرتبات النصف الآخر، لكنه انزعج من ذلك وكان ردّه شديدًا عليهم، إذ خيّرهم بأن يُسرح أحدهما الآخر تطبيقًا لما أشاروا به، وأعلن أن تسريح الناس من أعمالهم في وضع اقتصادي حرج هو ضياع لهم، ومؤثر في مصالحهم وحياتهم، وقرر تخفيض الرواتب إلى النصف لجميع الموظفين، وبذلك يُبقي الجميع في أعمالهم إلى أن يتحسن الوضع الاقتصادي، وفي عام 1355هـ/1934م بعث موظفو اللاسلكي برقية إلى الملك المؤسس أبلغوه بأنهم وعائلاتهم في ضنك شديد، بسبب الأوضاع الاقتصادية العالمية، والتي تأثر بها الاقتصاد السعودي، فأرسل إلى وزير المالية يؤكد عليه النظر في أمرهم بشكل عاجل وعدم نسيانهم.

الملك عبدالعزيز مع عدد من أبنائه على سطح القصر.  (دارة الملك عبدالعزيز)
الملك عبدالعزيز مع عدد من أبنائه على سطح القصر. (دارة الملك عبدالعزيز)

جوانب من حياة الملك عبدالعزيز

أبناء الملك عبدالعزيز 

أنجب الملك عبدالعزيز 36 ولدًا، وتوفي في حياته ابنه الأكبر "تركي الأول" الذي يُكنى به، ويُلقب بالأول للتفريق بينه وبين أخيه الأصغر المسمى باسمه بعد وفاته، والبقية هم: الملك سعود، الملك فيصل، محمد، الملك خالد، ناصر، سعد، الملك فهد، منصور، الملك عبدالله، بندر، سلطان، مشعل، مساعد، عبدالمحسن، مشاري، متعب، طلال، عبدالرحمن، تركي، بدر، نواف، نايف، فواز، ماجد، الملك سلمان، ماجد، ثامر، ممدوح، عبدالإله، سطام، أحمد، مشهور، هذلول، عبدالمجيد، مقرن، حمود.

الألقاب والأوسمة للملك عبدالعزيز

لُقِب الملك عبدالعزيز بألقاب عدة، وكانت أحب الكنى إليه "أبو تركي"، وكان أحب إليه من دعوته بـ"عظمة السلطان" أو "جلالة الملك"، كما كان يعتزي بأخته الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بن فيصل، ويقول: "أنا أخو نورة"، ولُقب بعدد من الألقاب، هي:

أمير نجد ورئيس عشائرها 1319هـ/1902م.

سلطان نجد 1339هـ/1921م.

سلطان نجد وملحقاتها 1340هـ/1922م.

ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها 1345هـ/1927م.

ملك المملكة العربية السعودية 1351هـ/1932م. 

كما نال عددًا من الأوسمة، هي: 

من بريطانيا: الوشاح الأكبر من وسام الحمام العالي الشأن، والوشاح الأكبر من وسام نجمة الهند.

من الجمهورية الفرنسية: الوشاح الأكبر من وسام جوقة الشرف.

من إيطاليا: الوشاح الأكبر من وسام سان موريس ولازار، والوشاح الأكبر من وسام تاج إيطاليا.

من هولندا: الوشاح الأكبر من وسام الأسد الهولندي.

من العراق: الوسام الهاشمي، والوشاح الأكبر من وسام الرافدين.

المنهج السياسي للملك عبدالعزيز

انتهج الملك عبدالعزيز منهجًا سياسيًّا سار عليه في حكمه، إذ أشار المقربون منه والمصادر التي تناولت سيرته إلى أنه لم يقدّم خيار الحرب أبدًا بينه وبين خصومه، ولم يخض حربًا إلا مضطرًا إليها، بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية، وكان له منهج واضح في مسيرته منذ استرداد الرياض حتى توحيد وبناء الدولة وهو الوحدة الوطنية لبلاد متسعة الأطراف، وقوة وسيادة في المنطقة بإمكانها خدمة الحرمين الشريفين، كما كان نهجه في التعامل الحلم قبل المواجهة، إذ واجه الملك المؤسس أنواعًا من العصيان والتمرد ونقض العهود وتحديدًا عندما كانت البلاد في طور التكوين والنشأة إلا أنه قدم الحلم قبل مواجهتهم، وفي الحروب العالمية وقف موقف الحياد الإيجابي واستطاع بذلك حماية بلاده في الوقت الذي عانت فيه كثير من دول العالم تبعات الحرب. 

مكتبة الملك عبدالعزيز

حرص الملك عبدالعزيز على العلم والثقافة، وبرز الجانب الثقافي من شخصية الملك المؤسس من خلال ما أورثه من مكتبة ضخمة بلغ مجموع ما تحويه أكثر من ثلاثة آلاف كتاب جمعها خلال فترة حياته، وتتألف المكتبة من مجموعة متنوعة تشمل: المؤلفات، والدوريات، والمجلدات النادرة، وكان شغوفًا جدًّا بالتفسير والعلوم الدينية التي تطابق ما جاء في الكتاب والسنة، واهتم بطباعة الكتب ونشرها على نفقته الخاصة، كما عرف عنه تشجيعه لأبنائه والعلماء والمفكرين والمقتدرين بوقف الكتب ونشرها، وهو ما أسهم في العناية بالكتب ودعم حركة النشر والمعرفة.

وتضم المكتبة، التي تشرف عليها الآن دارة الملك عبدالعزيز الجهة المسؤولة عن خدمة تاريخ وتراث المملكة، مجموعة نادرة من المؤلفات والدوريات انطلاقًا من حرصه على قراءة الكتب، والتزود من علومها، ونتيجة لذلك ازداد حجم مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة، حتى أصبحت جزءًا مهمًا من قصر المربع، وكانت تقع في الطابق الأول، وتحوي نوادر من المخطوطات القيمة التي ورثها الملك عبدالعزيز عن آبائه، إضافة إلى ما ورد إليه عن طريق الإهداء أو الشراء، وتتنوع الكتب المحفوظة في هذه المكتبة والتي تحمل في طياتها وعلى أغلفتها عبارات وشواهد تاريخية تعكس مكانة العلم في نفس الملك عبدالعزيز، كما تتميز محتويات مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة بحالتها الجيدة على الرغم من مرور أكثر من 100 عام على طباعة بعضها، وذلك بعد عملية الإحياء والتجديد التي شهدتها محتويات المكتبة، كما تبنت دارة الملك عبدالعزيز تنفيذ مشروع الملك فهد بن عبدالعزيز لترميم وتجليد كتب مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة، التي تعد الآن مصدرًا مهمًّا من مصادر تاريخ السعودية الحديثة، وتحديدًا في ما يتعلق بعلاقة الملك عبدالعزيز بالعلم والمعرفة.

وفاة الملك عبدالعزيز

توفي الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بعد نحو 80 عامًا حافلة بالأحداث، حيث عاش طفولته في حكم الدولة السعودية الثانية وشهد انتهاء حكمها في الرياض، وتنقّل في صباه بعيدًا عن قاعدة أسرته، حتى تكونت شخصيته القيادية التي انطلق بها لتأسيس الدولة السعودية الحديثة، فقضى 32 عامًا يوحّد أطرافها، وامتد حكمه لها 54 عامًا، وكانت وفاته في 2 ربيع الأول 1373هـ/8 نوفمبر 1953م، بمدينة الطائف، ونقل جثمانه إلى مدينة الرياض ليدفن في مقبرة العود، وتولى الحكم بعد وفاته ولي العهد آنذاك نجله الملك سعود بن عبدالعزيز. 

مؤسسات قائمة باسم الملك عبدالعزيز

تحمل العديد من الكيانات في المملكة اسم الملك عبدالعزيز، منها: 

جامعة الملك عبدالعزيز في مدينة جدة.

مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في مدينة الرياض.

دارة الملك عبدالعزيز في مدينة الرياض.

مطار الملك عبدالعزيز في مدينة جدة.

مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في مدينة الرياض.

مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في مدينة الرياض.

مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة".

كلية الملك عبدالعزيز الحربية في مدينة الرياض.

مدينة الملك عبدالعزيز الطبية في مدينة جدة.

مدينة الملك عبدالعزيز الطبية في مدينة الرياض.

ميناء الملك عبدالعزيز في مدينة الدمام.

وقف الملك عبدالعزيز في مكة المكرمة.

مركز الملك عبدالعزيز للخيل العربية الأصيلة في مدينة الرياض.

مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية في المدينة المنورة.

قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية في القطاع الشرقي.

قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية في الجبيل.

متحف صقر الجزيرة للطيران في مدينة الرياض.

مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء) في مدينة الظهران.

إلى جانب عدد من المستشفيات الحكومية في مختلف مناطق المملكة.