مجالس الملك عبدالعزيز
مجالس الملك عبدالعزيز، اللقاءات والاجتماعات التي كان يعقدها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بصورة منتظمة، ويستقبل فيها رجالات الدولة والعلماء والوجهاء وأفراد الشعب، وشكّلت أحد مظاهر الحكم والإدارة في عهده، إذ جمعت بين مناقشة شؤون الدولة والقضايا السياسية والإدارية، والتواصل مع المجتمع، إلى جانب ما شهدته من جوانب علمية وثقافية ودينية.
مجالسه العامة
كان للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مجلس عام، تُحدد له أوقات معلومة، ويُتاح حضوره للجميع دون استثناء، ويحضره إخوته وأبناؤه ومستشاروه وخاصته، إلى جانب العلماء والوجهاء وأفراد الشعب، وخضع ترتيب الجلوس فيه لنظام يراعي السن ومكانة الحضور؛ فكان أفراد أسرة آل سعود يجلسون في صف واحد عن يمين الملك أو يساره بحسب أعمارهم، بدءًا بالأكبر سنًا، ويفسح الأصغر مكانه لمن يكبره، فيما يجلس بقية الحضور في صف آخر عن يمين الملك أو يساره، وفقًا لطبيعة المجلس ومكانة الحاضرين.
وكان يُخصَّص مقعد على يمين الملك لكبار الضيوف وأصحاب الشأن من الشخصيات، وعند دخول أحدهم كان الملك عبدالعزيز يقف لاستقباله ويصافحه، ويقف الحاضرون معه، ثم يُشير إلى الضيف بالجلوس في الموضع المخصص إلى جانبه أو قريبًا منه، أو بين مستشاريه وخاصته.
كان للدخول إلى مجلس الملك عبدالعزيز آداب متعارف عليها تعكس الاحترام والبساطة في آن واحد، فمن أراد تجنب تكليف الملك بالقيام لاستقباله أو مصافحته، وقف عند مدخل المجلس وألقى التحية بصوت مسموع، قائلًا: "صبّحك الله بالخير" أو "مسّاك الله بالخير"، ثم جلس في أحد الأماكن الشاغرة.
وإذا كان الملك عبدالعزيز منشغلًا بالحديث مع أحد الحاضرين، أو بقراءة ورقة أو بإلقاء كلمة، فإن الداخل إلى المجلس يدخل بهدوء إلى مكانه المعتاد أو حيث انتهى به المجلس، ويجلس مترقبًا انتهاء الملك من انشغاله، ثم يقف لإلقاء التحية عليه رافعًا صوته، فيرد عليه الملك إما بإيماءة من رأسه أو بتحريك شفتيه أو بعبارة "بالخير"، وإذا أراد أحد الحضور مغادرة المجلس، فكان من المتعارف عليه أن يخرج بهدوء وبحركة خفيفة دون الحاجة إلى الحديث أو مقاطعة ما يدور في المجلس.
أوقات مجالسه
كانت مجالس الملك عبدالعزيز تُعقد في أوقات محددة من اليوم، إذ كانت مجالسه العامة تعقد قبل فترة الظهر وبعد صلاة العصر، إلى جانب مجلس يومي آخر يجمع بين صفة المجلسين الخاص والعام، يبدأ بعد صلاة العشاء ويمتد حتى انتهاء سهرته، غالبًا ما يقتصر حضوره على كبار الموظفين وبعض الأعيان، فيما يقلّ حضور الأمراء فيه.
يفتتح مجلس الملك عبدالعزيز بالدرس اليومي الذي يشكّل تقليدًا في مجالسه، وكان القارئ يجلس في أقصى الطرف الأيسر من مجلس الملك، وأمامه مصباح كهربائي يستعين به على القراءة. يبدأ القارئ بقراءة فصل من الكتاب الذي توقّف عنده في الدرس السابق، ثم ينتقل إلى فصل آخر من كتاب مختلف، وتستغرق مدة الدرس نحو نصف ساعة لا تزيد عنها، ويختتم الدرس بإغلاق الكتاب وإطفاء المصباح، ثم يغادر القارئ المجلس بهدوء، وفي بعض الأحيان عندما يرغب الملك إنهاء الدرس لانشغاله بأمر آخر، يقول للقارئ: "بركة"، إشارة إلى الاكتفاء بما قُرئ.
وشهدت مجالس الملك عبدالعزيز نقاشات علمية ودينية وتاريخية وأدبية، إذ يذكر الملك أحيانًا آية قرآنية، أو حديثًا نبويًا، أو موعظة، أو حادثة تاريخية يرغب في مناقشتها أو الاستزادة فيها، ويتبادل الحاضرون الآراء حولها، ويعرضون جوانبها المختلفة، وربما استشهد بعضهم ببيتٍ من الشعر.
وكان من المعتاد أن تتناول أحاديث المجلس ما يورده موظفو الإذاعة من أخبار، إذ يدخل أحدهم إلى المجلس العام أو المجلس شبه الخاص، ويتلو بصوتٍ مرتفع ما جمعه من أخبار. فإذا تضمّنت خبرًا جديدًا أو مهمًا، ناقشه الملك مع الحاضرين، وكان إذا انتهى الدرس يبادر بالحديث عن موضوع أو خبر بلغه، ثم يتيح للحضور إبداء آرائهم وتعليقاتهم حوله.
مجالسه الخاصة
كانت المجالس الخاصة للملك عبدالعزيز مخصصة للنظر في شؤون الدولة ومتابعة الأعمال الإدارية والسياسية، واقتصر حضورها على عدد محدود من المقربين والمسؤولين، منهم أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وولي عهده آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز (الملك سعود لاحقًا)، وعدد من المستشارين، ورئيسا الديوان والشعبة السياسية، ومساعد رئيس الشعبة السياسية. وكان الحاضرون يُعرفون باسم "الرَّبع"، ويجلسون متحلقين حول الملك وهو على كرسيه، يتابع معهم ما يُعرض من أعمال وقضايا.
يُستهل المجلس عادةً بقراءة البرقيات الواردة إلى الملك، وهو يُملي عليهم أجوبته، وينظر إلى وجوه الرّبع أثناء الإجابة، فإذا كان لأحدهم رأي طُرح للنقاش والمداولة، ثم يأتي دور مساعد الشعبة السياسية، ويقرأ خلاصات الرسائل والعرائض الواردة فيستمع إليها الملك ويجيب عن كل منها بإيجاز، وكان من بين ما يُعرض عليه تقارير وارده من سفاراته في الدول الأجنبية، وقد اعتاد الملك عبدالعزيز قبل أن يضعف بصره في العامين الأخيرين من حياته، قراءة تلك المراسلات بنفسه، ثم أصبح يُملي إجاباتها وتعليماته نصًّا على كتّابه، استمرارًا لنهجه في متابعة شؤون الدولة بنفسه، لكنه يُولي اهتمامًا بالغًا لما يُبديه الحاضرون في مجلسه من ملاحظات أو آراء ويُصغي إليها بعناية.
المصادر
الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز. خير الدين الزركلي. 1988م.