تم نسخ الرابط بنجاح

الحجر (مدائن صالح)

saudipedia Logo
الحجر (مدائن صالح)
مقالة
مدة القراءة 13 دقيقة

الحِجْر (مدائن صالح)، هي إحدى مواقع التراث العالمي، ومَعلم تاريخي سياحي سعودي، تقع في محافظة العُلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة، شمال غرب المملكة العربية السعودية. تتألف الحِجر، التي عرفت لفترة زمنية بمدائن صالح، من آثار جَمعت حِقبًا تاريخية متنوعة، منها النبطية واللحيانية والإسلامية، ومن أشهر معالمها المدافن التاريخية المنحوتة على واجهات الصخور الرملية.

كانت للحجر السابقةُ بين المواقع السعودية المسجلة في قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إذ دخلت القائمة عام 1429هـ/2008م.

وتظهر الحِجر على هيئة متحف أثريٍّ مفتوح وسط الرمال في وادي القرى، وقد صُنفت مدافنها الأثرية، البالغ عددها 116 مدفنًا، وفق مجموعات بحسب القرب المكاني والتجانس في النقوش والمعمار، وشملها برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري للمملكة، ولا تزال أعمال التنقيب والتطوير وترميم الآثار مستمرة فيها.

المكانة التاريخية لموقع الحِجر

موقع الحِجر الجغرافي

تقع الحِجر في محافظة العُلا شمال غرب السعودية، وتتبع إداريًّا لمنطقة المدينة المنورة، وتبعد الحِجر عن مركز محافظة العلا 22 كم، وعن العاصمة الرياض 1.45 ساعة بالطائرة،وهي في المنتصف بين تبوك شمالًا التي تبعد عنها نحو 270 كم، والمدينة المنورة إلى الجنوب بنحو 355 كم، ويفصلها عن مشروع البحر الأحمر نحو 353 كم. 

تستقر الحِجر على هيئة متحف أثريٍّ مفتوح وسط الرمال في وادي القرى، على مساحة أكثر من 13 كم2، تتبدى فيه للرائي الجبال الشاهقة ذات الواجهات المنحوتة بدقة. وعلى الرغم من شهرة آثارها المرتبطة بالأنباط، إلا أن الآثار والنقوش العائدة إلى مملكتي لحيان ودادان، اللتين سبقتا الأنباط في الاستقرار بالحِجر، لا تزال حاضرة في نحو 50 نقشًا ورسمًا ونصًّا.

جبل البنات أحد المواقع الأثرية في الحِجر قرب العلا. (سعوديبيديا)
جبل البنات أحد المواقع الأثرية في الحِجر قرب العلا. (سعوديبيديا)

الأهمية التاريخية للحجر

كانت الحجر قديمًا ملتقى للقوافل التجارية التي تسلك طريق البخور قادمة من اليونان وروما وشمال أفريقيا وآسيا وجنوب شبه الجزيرة العربية، وهي ثاني أكبر موقع يشهد على حضارة الأنباط، بعد مدينة البتراء الأثرية في الأردن، احتضنت الحِجر ممالك وأقوامًا عربية قديمة، وهم المعينيون والثموديون ثم اللحيانيون، ومن بعدهم مملكة الأنباط، حيث ازدهرت في حكمهم الذي دام نحو 700 عام، وبلغت مكانة اقتصادية جعلتها العاصمة التجارية لمملكتهم.

يحمل الموقع رمزية دينية بسبب استيطانه من قبل الثموديين الذين ذكروا في القرآن الكريم، باسم قوم ثَمُودْ: "وثَمُودَ الذّينَ جَابُوا الصّخْرَ بالوَاد"، (الفجر: 9) وأيضًا "أصحاب الحجر": "ولقد كذّبَ أصحَابُ الحِجرِ المُرسَلِين" (الحجر: 80). تُقدر الفترة الزمنية التي سكن فيها الثموديون الحِجر بـ3000 سنة قبل الميلاد، وتشير النصوص الدينية الإسلامية إلى نحتهم للجبال واتخاذها بيوتًا لهم، وأرسل الله إليهم نبيًّا يدعى صالح.

الحِجر في التراث العربي

من جهة أخرى يخلد التراث العربي الأدبي الوادي نفسه الذي يضم الحِجر (وادي القرى)، بوصفه موطن قصة حب شهيرة بين الشاعر العربي جميل بن معمر العذري، وبُثينة بنت حبَأ بن ربيعة.

ألا ليتَ شِعرِي هل أبِيتنّ ليلة   بوادِي القُرى إنّي إذًا لسَعيدُ

وهل ألقَيَنْ فردًا بُثَينَة مرة        تجُود لنا من وُدّهَا ونَجُودُ

الحجر في قائمة التراث العالمي 

سُجل موقع الحجر (مدائن صالح) في قائمة "اليونسكو" في رجب 1429هـ/يوليو 2008م، وبدأت دراسة تسجيل موقع الحجر في القائمة  عام 1422هـ/2001م، عن طريق لجنة وزارية شُكّلت للدراسة، تلا ذلك صدور قرار الموافقة في 19 رجب 1427هـ/13 أغسطس 2006م، على تسجيل ثلاثة مواقع، هي الحجر، والدرعية التاريخية، وجدة التاريخية، وقدمت المملكة إلى مركز التراث العالمي باليونسكو القائمة الأولية للمواقع الثلاثة، قُبلت المواقع مبدئيًّا في 24 رمضان 1427هـ/17 أكتوبر 2006م.

وقَدِم ثلاثة خبراء من منظمة "اليونسكو" لزيارة موقع الحِجر، ومراجعة ملف الترشيح، بالإضافة إلى تقديم ملف ترشيح موقع الحجر  الذي قدمته المملكة ويتضمن خطة متكاملة لإدارة الموقع وحمايته وتأهيله، كأول موقع من المملكة مرشح للتسجيل في قائمة التراث العالمي في 11 محرم 1428هـ/30 يناير 2007م، ثم قدمت الهيئة مخطط الحماية والإدارة لموقع الحجر لمركز التراث العالمي، بعد زيارة خبير من المجلس العالمي للمعالم والمواقع "الآيكوموس الدولي" إلى الموقع ومراجعة ملف الترشيح على الطبيعة، كما نُظّم معرضٌ عن آثار الحجر في مقر اليونسكو بباريس، في إطار تسجيل موقع مدائن صالح في قائمة التراث العالمي في شعبان - رمضان 1428هـ/سبتمبر 2007م. 

عصور الاستيطان البشري في الحجر 

عصر الممالك العربية الوسطى 

يعود تاريخ الاستيطان البشري الأول في الحِجر إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث سكنت فيها مملكة لحيان، بحسب ما دلت عليه الدراسات العلميّة، وما عثر عليه من أدوات حجرية ومقابر ركامية، كما دل على ذلك عدد من النقوش الصخرية التي وُجدت في الموقع، ويبلغ عددها نحو 36 نقشًا، عثر عليها في جبل أثلب، حيث ترجع النقوش إلى الفترة الديدانية واللحيانية، وشكلت سجلًا تاريخيًّا عن مملكة لحيان حفظ أسماء ملوك لحيان وحضارتها وأوضاع المجتمع الثقافية والدينية، مما ساعد على معرفة التسلسل الزمني للحكم فيها، ومراحل التطور التي مرّت بها الكتابة في المنطقة.

عصر الممالك العربية المتأخرة 

كان الازدهار الحقيقي والواضح في موقع الحِجر في عصر الأنباط، وهم قبائل عربية أسسوا مملكة عاشت ثلاثة قرون، وامتدت حدودها من دمشق شمالًا وحتى الحِجر وتيماء جنوبًا، ومن دومة شرقًا حتى البحر الأحمر غربًا، ثم نزحوا من عاصمتهم الأولى البتراء، وانتقلوا جنوبًا إلى الحجر واتخذوها عاصمة ثانية لهم ومقرًّا رئيسًا، في الفترة ما بين القرنين الأول قبل الميلاد إلى الثاني الميلادي، ازدهرت الحجر إبان حكمهم، وأصبح لها شأن في المنطقة، حتى إن النقوش النبطية تبين أنها كانت تمثّل في الأهمية المرتبة الثانية بعد البتراء العاصمة الأولى للأنباط.

الوجود الروماني في الحجر 

لاقت الحِجر اهتمامًا في فترات لاحقة إبان الوجود الروماني في شبه الجزيرة العربية، والذي جاء بعد أن سقطت الدولة النبطية في القرن الأول الميلادي، كما كانت الحجر بعد دخول الإسلام تحمل أهمية تاريخية بوصفها محطة على طريق الحج الشامي، واستمر الوجود الروماني في المنطقة إلى القرن الرابع بعد الميلاد تقريبًا.

جبل أثلب شمال شرق الحِجر التابعة لمحافظة العلا. (سعوديبيديا)
جبل أثلب شمال شرق الحِجر التابعة لمحافظة العلا. (سعوديبيديا)

المعالم الأثرية في الحِجر 

صُنفت مدافن الحجر البالغ عددها 116 مدفنًا وفق مجموعات بحسب القرب المكاني والتجانس في النقوش والمعمار، وكان الأنباط قد استخدموا القصور والتجاويف الصخرية لدفن موتاهم، وتعبر النقوش والنصوص الخارجية وأساليب النحت عن الرموز الدينية النبطية، كما أن المدافن وأطوالها تحمل دلالة على المكانة الاجتماعية والحالة الاقتصادية لأصحابها، ويوحي موقع القبر وزيادة بعده عن بقية المدافن وعن القرية السكنية بأهمية صاحبه ومكانته الاجتماعية.

قصر الفريد

ينأى قصر الفريد، أحد معالم موقع الحجر، عن بقية مجموعات المدافن، وهو مدفن لحيان بن كوزا، نُحت على كتلة صخريّة منفردة بارتفاع نحو 22م، ذو واجهة مميزة لها أربعة أعمدة، على عكس بقية القبور التي اكتُفي فيها بعمودين. يقع القصر في جنوب شرق الحِجر، وانفرد عن غيره في الموقع من حيث الحجم الكبير، لذلك أطلق عليه "الفريد"، إلى جانب بعض العناصر المعمارية المميزة عن غيره، وعلى الرغم من عدم اكتمال بناء المدفن إلا أنه أفاد في معرفة مراحل وأسلوب نحت واجهات المقابر لدى الأنباط، فمن خلاله عُرف أسلوب التخطيط على واجهة المقابر قبل التنفيذ، وكيف تبدأ مراحلها من أعلى الكتلة الصخرية نزولاً للأسفل، حيث يُظهر البناء أن الواجهة قُسّمت إلى ثلاثة أقسام: الجزء العلوي منها مكوّن من خمس درجات كما في المقابر الأخرى، والجزء الثاني أسفله كورنيش مصري ثم كورنيش آخر بشكل متوازٍ، أما الجزء الثالث فتفرّد بالعناصر الفنيّة المكوّنة من أربعة أعمدة في الواجهة، في أعلاها تيجان نبطية، تعلو المدخل واجهة مثلثة غير مكتملة، في أعلاها نسر مكسور الرأس، وعلى جانبي المدخل جرّتان منحوتتان بشكل غير مكتمل، وأعمدة غير مكتملة البناء.

مقابر جبل أثلب 

تقع مقابر جبل أثلب في الجهة الشرقية من الحجر. ويعد جبل أثلب أعلى جبل في الموقع، إذ يشرف على منطقة واسعة من حوله، ويرجح أنه استخدم فيما مضى مركزًا للمراقبة على الطريق التجاري، استنادا إلى العدد الكبير من النقوش اللحيانية المكتشفة فيه، إذ يكشف الطرف الشمالي من وادي العُلا، كما يرجح أن الجبل بُني عليه مركز ديني استخدمه الأنباط لاحقًا، وإلى جانب الكم الكبير من النقوش العربية القديمة اللحيانية والثمودية والنبطية، وتلك التي تعود إلى الفترة الإسلامية، يحتوي الجبل على مظاهر معمارية، هي: الديوان، وهو في شمال الجبل منحوت على شكل قاعة كبيرة، وعلى جانبي الواجهة عمودان، وتوجد في داخله ثلاث دكك، يعتقد أن الديوان كان يستخدم للاجتماعات بمثابة مجلس الشيوخ، أو للاحتفالات الدينية. 

كما يحتوي جبل أثلب على مساجد ومعابد أثرية، حيث أظهرت النقوش تخصيص أماكن مقدسة للعبادة سُميت بالمسجد، إضافة إلى إنشاء المعابد في أعلى الجبل ونُحت لها درج، مثل معبد قصر العجوز، والمحاريب، وهي منتشرة أمام ساحة الديوان، وفي ممر السيق وجانب الوادي، وفي أعلى الجبل خزانات وقنوات الماء، حيث أتقن الأنباط حفر الآبار والقنوات تحت الأرض للربط بين منابع المياه، وصنعوا خزانات في الصخور وجلبوا لها مياه الأمطار عبر قنوات شقّت في الجبل، واكتشفت في الموقع نحو 130 بئرا.  

مقابر قصر البنت 

هي مجموعة مقابر متجاورة تُغطي معظم أجزاء جبل البنات. تقع شمال شرق المنطقة السكنية وإلى الغرب من جبل أثلب، وهي مكونة من كتلتين صخريتين، الأولى تضم 31 مقبرة، بينما الكتلة الصغيرة لا تضم سوى مقبرتين، تتنوع مجموعة قصر البنت من حيث الحجم والعناصر الزخرفية، كما أن بعضها يحتوي على أسماء ورموز، وبعضها يضم تماثيل آدمية وحيوانية. 

مقابر قصر الصانع 

يقع في مرمى بصر الداخل إلى الحِجر من البوابة الجنوبية مجموعة مقابر في كتلتين صخريتين تمر بينهما السكة الحديدية، الغربية منها تضم مقبرة بواجهة مكتملة، بناها ملكيون العراف لوالده حنين هفستيون القائد "رئيس الحامية"، وهي مؤرخة في شهر أبريل من العام 17 من حكم الملك الحارث الرابع. أما الكتلة الشرقية فإنها تتكون من ست مقابر ذات واجهات غير مكتملة، تبدو متأثرة بعوامل التعرية، كما تخلو واجهاتها من أي عمل فني.

الجبل الأحمر

هو عبارة عن كتلتين صخريتين تُعرفان باسم الجبل الأحمر، تقعان جنوب المنطقة السكنية وشمال مقبرة الفريد، تضم الكتلة الأولى 18 مقبرة ذات واجهات متنوعة يُرجح أنها من أقدم المقابر، تحتوي بعض المقابر فيها على نقوش بأسماء أصحابها. أما الكتلة الثانية فهي الأصغر حجمًا ولا تضم إلا مدفنًا واحدًا. 

الخريمات

تقع الخريمات في الجهة الغربية للمنطقة السكنية، تتكون من سبع كتل صخرية متجاورة تضم 53 مدفنًا. تتميز مقابر الخريمات بأنها ضمت معظم العناصر الفنية على واجهاتها، وتعد من أكثر مدافن الحجر تنوعًا في النقوش، كما تتميز بخلو بعضها من الخطوط التي في الواجهة من الأعمدة والتيجان النبطية، والواجهة المثلثة والأفاريز البارزة، وبعض واجهاتها مكونة من مجموعة من الشرفات المدرجة، كما أن بواباتها تخلو من الأعمدة، وتبدو المقابر فيها متأثرة بالعوامل الطبيعية التي أفقدتها أجزاء من واجهاتها.

قصر الفريد أحد المدافن الأثرية بمنطقة الحِجر في محافظة العلا. (سعوديبيديا)
قصر الفريد أحد المدافن الأثرية بمنطقة الحِجر في محافظة العلا. (سعوديبيديا)

العناصر المعمارية لمدافن الحِجر 

أنماط المدافن 

تختلف أنماط المدافن في مواقع الحِجر من حيث الحجم والتشكيل وطريقة البناء، صُنفت بحسب علماء الآثار إلى خمس مجموعات، الأولى هي مقابر بسيطة تكون أصغر وأقل ارتفاعًا من بقية المدافن، تتألف من صف أو صفين متوازيين من شرفات مزخرفة صغيرة الحجم، وفي أسفلها زخارف مكونة من نجمة أو زهرة. أما المجموعة الثانية فهي مدافن لم تستخدم فيها الشرفات، بل استُبدلت بصفين كبيرين متقابلين من الدرج في كل منها أربع أو خمس درجات. 

وهناك مجموعة ثالثة تميزت بالدقة والإتقان في نحتها، يعلو كلًّا منها نصف شرفة بمدرّجتين متقابلتين، وكورنيشين مصريين متوازيين، وتضم أربعة أعمدة متباينة الارتفاع، مداخلها ذات واجهات مثلثة مُزينة بإفريز دوري مزخرفة بأشكال زهرة نجمية، وتظهر على قمتها نقوش تتمثل في نقش الجرّة والنسر والحيوان الأسطوري، لكنها تخلو من الرموز الدينية المتمثلة بالوجه الآدمي والثعبان. والمجموعة الرابعة تتكون من عمودين مستطيلين يعلوهما تاجان بسيطان مشطوفان، وفي أعلاها قوسان متوازيان يتوسطهما شريط من أشكال بيضوية، وفي داخل القوس نجمة سداسية وإلى جانبه ثلاث جِرار. أما المجموعة الخامسة فهي المدافن التي خلت واجهاتها من أي زخارف، وهي ذات مداخل مستطيلة تؤدي إلى غرفة الدفن، أو لها فتحات مربعة مرتفعة عن سطح الأرض، يرجح أنها مقابر فردية، بحسب ما ذُكر في إحداها. 

العناصر الزخرفية 

تتركز العناصر الزخرفية في مدافن الحجر على الواجهات الرئيسة، والواجهات المثلثة والقوسية، والكورنيش، وهو جزء بارز عن الواجهة يأخذ شكلًا مستويًا أو متدرجًا إلى الأسفل، يُنحت بالعرض الكامل لواجهة المدفن، والكورنيش المصري، وهو جزء بارز من الأعلى ينحني بشكل مقوّس نحو الأسفل، والإفريز، وهو شريط بارز يتكون من بروز واحد أو اثنين أو ثلاثة، يكون السفلي منها أقل بروزًا، وتنفذ على بعضها نقوش زخرفية، والتاج النبطي، وهو الجزء الماثل على الأعمدة، والأعمدة، وهي الجزء الذي يعد عنصرًا رئيسًا في أغلب الواجهات وأخذ شكلًا مستطيلًا على جانبي الواجهات، والمداخل، وهي عنصر لم يختلف في أشكاله، بل كانت جميعها مستطيلة الشكل، وخلا بعضها من أي عناصر زخرفية، وعناصر زخرفية آدمية وظهرت على شكل وجوه وأقنعة على واجهات المقابر، والعناصر الزخرفية الحيوانية، وهو العنصر الذي لقي اهتمامًا بارزًا لدى الأنباط لأهميتها في المعتقد الديني لديهم، ولما تجسده من القوة، مثل الأسد، النسر، الثعبان، الحيوان الأسطوري "اسفنكس"، إلى جانب العناصر الزخرفية النباتية، وأهمها الزهرة النجمية، كما تتألف العناصر الزخرفية من نحت للجِرار، وهي إحدى الرموز الدينية التي تتعلق بالماء كمصدر للحياة. 

التراث العمراني في الحِجر 

القلعة الإسلامية في الحجر

تقع في الجهة الشمالية من الحجر على طريق الحج الشامي، وهي قلعة مكونة من طابقين، بُنيت على نمط القلاع العثمانية، بناها والي دمشق آنذاك أسعد باشا العظم، وهي مربعة الشكل يبلغ ارتفاع سورها 8.35م، يعلو مدخلها برج مراقبة، وتضم بئرين، الأولى داخل ساحة القلعة، والثانية في شرق القلعة، كما تضم أربعة أبراج مراقبة إضافية، ومصليين، الأول في الطابق الأرضي والثاني في الطابق العلوي، ويحيط بالساحة عدد من الغرف إلى جانب الغرف في الدور العلوي. 

محطات سكة حديد الحجاز 

هي آثار سكة حديد الحجاز، وتضم 75 محطة رئيسية وفرعية، افتتحت محطة الحِجر في 1325هـ/1907م، وتتكون من 16 مبنى تتنوع استخداماتها، منها استراحة للموظفين، وسكن للموظفين، وقلاع حراسة، ودورات مياه، ومخازن للعفش، وورش صيانة، وخزان ماء.

السياحة في الحجر 

تطوير الحِجر

تشكل الحِجر بقعة لا تتوقف فيها أعمال التنقيب والتطوير وترميم الآثار والمحافظة عليها، إذ شملها برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري للمملكة، ثم تأسست الهيئة الملكية لمحافظة العلا التي تهدف إلى الحفاظ على المواقع التاريخية والأثرية في المحافظة بمجموعة من البرامج والمبادرات، وتفعيل المواقع التراثية وتأهيلها لاستقبال الزوار من أنحاء العالم، وإشراك أهل المحافظة في العناية بالآثار، والمسوحات الاستكشافية، وفرص التدريب والتوظيف، وبرنامج الابتعاث للطلاب والطالبات.

كما حافظت الهيئة الملكية لمحافظة العلا على محمية شرعان الطبيعية لحماية أهم المواطن الطبيعية والبيئية والتنوع البيولوجي فيها.

مخطط رحلة عبر الزمن 

تحقيقًا لمستهدفات رؤية السعودية 2030، أطلق ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس إدارة الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، في عام 2021م الرؤية التصميمية لمخطط "رحلة عبر الزمن"، ويُعد المشروع محطة رئيسة ضمن برنامج تطوير العُلا وتحويلها إلى وجهة عالمية رائدة للفنون والتراث والثقافة والطبيعة.

واستند المُخطَّط على دراسات علمية مكثّفة حول الأنماط البشرية والتطور البيئي والجيولوجي في العُلا، أشرف عليها فريق من الخبراء السعوديين والدوليين على مدى ثلاث سنوات، ويتكون مخطط "رحلة عبر الزمن" من ثلاث مراحل رئيسة، ومن المقرر أن تكتمل أولاها في نهاية عام 2023م، إذ يمثل المخطط جُزءًا من برنامج تطويري شامل للعُلا تشرف عليه الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، وتهدف استراتيجية التطوير عند اكتمالها في عام 2035م إلى المساهمة بمبلغ 120 مليار ريال في الناتج المحلّي الإجمالي للمملكة، إضافة إلى توفير 38 ألف فرصة عمل جديدة.

ويُقدم مخطط "رحلة عبر الزمن" خارطة تاريخية لحضارات استوطنت واحات العُلا على مدار أكثر من 7 آلاف عام من التاريخ البشري، إذ ستُنشأ خمسة مراكز تمتد على طول 20 كم من وسط العُلا، في محطات أساسية عبر مسار "رحلة عبر الزمن"، تبدأ من مركز البلدة القديمة جنوبًا، مرورًا بمركز واحة دادان، وواحة جبل عكمة، والواحة النبطية، وصولًا لمدينة الحجر الأثرية شمالًا. ولأن العُلا تشكل مفترق طرق ومركز اتصال لشمال غرب الجزيرة العربية، سيربط قطار العُلا السياحي مطار العُلا الدولي مع المراكز الخمسة.

وضمن هذه المراكز سيُنشأ 15 مرفقًا ثقافيًّا جديدًا، بما فيها المتاحف والمعارض ومعالم الجذب السياحي، لتكون معالم رئيسة لكل مركز، مع إضافة أكثر من 5 آلاف غرفة للإقامة والمعيشة، كما سيقدّم كل مركز مزيجًا خاصًا به من خيارات المعيشة والضيافة التي تمنح خيارات متعددة من الفنادق ومنتجعات السياحة البيئية إلى النزل الفاخرة ومزارع الوادي المنحوتة في صخور الجبال. 

معهد الممالك في العلا

في عام 2021م أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان معهد الممالك، وهو مركز عالمي لدراسات الحضارات التي سكنت شمال غرب شبه الجزيرة العربية على مدار أكثر من 7000 عام من التاريخ البشري، بما فيها الممالك العربية القديمة دادان ولحيان والأنباط في مدينة الحِجر الأثرية، ويعد المعهد من أبرز مشاريع مخطط "رحلة عبر الزمن".

ويهدف المعهد إلى حفظ وصون إرث وتراث العلا، باعتبارها مفترق طرق تاريخيًّا يربط بين ثلاث قارات، إذ يضم ضمن نطاق عمله بعثات التنقيب عن الآثار التي تضم خبراء من جهات سعودية ودولية من مختلف التخصصات، يعملون في جميع أنحاء محافظة العلا. 

برنامج مساء الحِجر

هو برنامج سياحي ضمن مهرجان الممالك القديمة الذي تنظمه الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، يُقدم تجربة مسائية لزائريه على ثلاثة مراحل، تُمكنهم من استكشاف الشواهد الأثرية للحضارة النبطية في الحجر، إذ تنتشر الشموع ليلًا أمام مدافن الحجر، وتُجهز جلسات خاصة، تصاحبها مشاهد وألحان طربيّة من آلات موسيقية قديمة، إلى جانب تقديم نكهات مختصة من تراث المنطقة. أما المرحلة الثانية فهي جولة على عربات الخيل تحت النجوم. والمرحلة الثالثة هي جزء مخصص للسير في مسار الفنون الصخرية الذي يعبر بالزوار بين المنحوتات الصخرية والنقوش التي رسمها المسافرون وأهالي العلا منذ آلاف السنين.

جبال في منطقة الحِجر التابعة لمحافظة العلا. (سعوديبيديا)
جبال في منطقة الحِجر التابعة لمحافظة العلا. (سعوديبيديا)

الحجر في عالم الميتافيرس 

ابتكرت الهيئة الملكية لمحافظة العلا وجودًا رقميًّا لمدينة الحجر الأثرية في العالم الافتراضي، ليكون متاحًا للاكتشاف أمام الزوار من شتى أنحاء العالم، ونُفذ المشروع على منصة "ميتافيرس ديسنترالاند" الافتراضية ثلاثية الأبعاد، لتصبح هذه الوجهة الرقمية الجديدة أول موقع من مواقع قائمة التراث العالمي لمنظمة "اليونسكو" يُسجل ظهوره في العالم الافتراضي، وتواصل الهيئة الملكية لمحافظة العلا استكشاف طرق جديدة تساعد على التفاعل مع الزوار بطرق مبتكرة وملهمة.

وطُورت منصة مدينة الحجر الافتراضية باستخدام التقنيات الحديثة، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الغامرة لإعادة تقديم الحِجر في الفضاء الرقمي، مما يفسح المجال للمهتمين ببدء رحلات من أجل اكتشاف معالم العُلا عبر عالم الميتافيرس، في بيئة افتراضية تُحاكي التجربة على أرض الواقع. ويوفر عالم الميتافيرس وجهة مثالية في إطار عملية التجديد الشاملة من قِبل الهيئة الملكية لمحافظة العلا بهدف إعادة ابتكار المحافظة، وتقديمها بحلّة حديثة لتصبح أكبر متحف حي في العالم، مع إمكانية الوصول إليها من خلال العالمين الواقعي والافتراضي.

وتتيح المنصة للزوار التنقل في أرجاء المكان، مستخدمين شخصياتهم الافتراضية، ورؤية البيئة الطبيعية الثقافية. وصُممت بوابات المعلومات لتوجيه الزوار إلى مختلف المواقع التي تُبرز تاريخ وحضارة العلا، لتعزيز الوعي بتاريخها البشري الممتد لقرابة 200 ألف عام. ويعد مشروع الميتافيرس إحدى مبادرات الهيئة لإعادة رسم التراث الثري للمنطقة، وتسهيل الوصول إليه من قبل المهتمين، تعزيزًا لمعرفة ضيوف القرن الحادي والعشرين بالمحافظة من خلال اكتشافها افتراضيًّا، قبل السفر إليها.

ترميم هيكل وجه امرأة من عصر الأنباط

ضمن جهود الهيئة الملكية لمحافظة العلا لإبراز الإرث التاريخي للمنطقة، أنهى خبراء في مجال الآثار ترميمًا رقميًّا لهيكل وجه امرأة عُثر عليها سابقًا في الحِجر تعود إلى العصر النبطي، وتُعرف باسم "هينه"، يُرجح خبراء الآثار أنها توفيت في القرن الأول قبل الميلاد، ودُفن جسدها في مقبرة بالحِجر، وظلت هناك لألفي عام، حيث اكتشف جسدها في عام 2008م. وتُؤكد المصادر والدراسات التاريخية أن هنّات كانت تتمتع بمكانة اجتماعية عالية لدى المجتمع النبطي وثروة كافية، حيث لا يحظى بالمقبرة الخاصة آنذاك إلا كبار الشخصيات في المجتمع، وصَدر ملف تعريفي من قبل خبراء في حضارة الأنباط مزود بالملابس والمجوهرات ليُمثّل حدودًا علمية ويكوّن إرشادات دقيقة لإعادة ترميم هيكل الوجه رقميًّا، وهو من إعداد فريق يملك خبرة في الأنثروبولوجيا وإعادة البناء وصنع النماذج المادية.